عندما بدأت رحلتي مع هذا الكتاب كان هدفي هو ترجمة النص الأصلي للكتاب الوحيد الذي كَتَبه چيسي ليڤرمور إلى اللغة العربية، وهو كتاب “كيف تُضارب في الأسهم” How to Trade in Stocks، ولكنني وجدت إنني لو توقفت عند هذا فقط فإنني لن أعطي لهذا الرجل حقه، فنحن أمام شخصية استثنائية وفريدة من نوعها لم يأتي لها مثيل حتى يومنا هذا في عالم أسواق المال. فالانتصارات والخيبات التي عاشها ليڤرمور كفيلة بإنتاج مسلسل درامي من الطراز الأول. وبناء عليه فقد قررت أن يمتد هذا الكتاب لأبعد من كونه نص مترجم، وأن أجعل منه مصدر للباحثين في حياة هذا الرجل. وبعد أن قرأت ودرست الكثير من الكتب حول حياة هذا المُضارب الأسطوري وجدت أن المصادر الأساسية التي تم الاعتماد عليها في تأليف العديد من الكتب حول چيسي ليڤرمور يمكن تلخيصها في أربع مصادر وهي:
المصدر الأول، وهو الكتاب الوحيد الذي ألفه چيسي ليڤرمور قبل وفاته بعدة شهور. وقد وضع فيه الكثير من أفكاره حول أسواق المال، مما يجعل هذا الكتاب المصدر الرئيسي للتعرف على أسلوبه في التداول.
المصدر الثاني، هو سلسلة المقالات التي تم نشرها في مجلة وول ستريت عام 1922 والتي نبعت من مجموعة المقابلات الحصرية التي تمت ما بين الصحفي والكاتب اللامع “ريتشارد ويكوف” وچيسي ليڤرمور الذي كان وقتها يتربع على قمة مجده وتألقه.
المصدر الثالث، هو رواية “مُذكرات مُضارب” التي ألفها الكاتب الصحفي الأمريكي ذو الأصول الفرنسية “إدوين لوفيڤر”، والتي ظهرت في البداية كسلسلة من أثني عشر مقالة متصلة تم تحويلها فيما بعد إلى كتاب.
المصدر الرابع والأخير، هو قصاصات الأخبار والصور التذكارية التي تحكي لنا عن الأحداث الهامة في حياة چيسي ليڤرمور كشخصية عامة كان لها تأثير في المجتمع الأمريكي.
وبناء على المصادر الأربعة السابقة فقد تم تقسيم هذا الكتاب لثلاثة أجزاء وهي:
الجزء الأول، وقد قمت في هذا الكتاب بترجمة النص الأصلي لكتاب ليڤرمور “كيف تُضارب في الأسهم” ولكنني اِستَثنيّت الفصلين الأخيرين لأنهما يتحدثان عن استخدام الأقلام الملونة في بناء سجل ورقي لمتابعة أسعار الأسهم. فنحن الآن نعيش في القرن الواحد والعشرون حيث يفصلنا عن وقت تأليف هذا الكتاب أكثر من ثمانين عامًا، أي أن هذا الكتاب تم تأليفه في وقت لم يعرف فيه الإنسان الآلة الحاسبة وليس الحاسب الآلي، بينما نحن الآن نعيش في زمن الذكاء الصناعي، لذلك فأنا اردت بذلك تركيز مجهودي على الجزء الهام من أفكار چيسي ليڤرمور.
الجزء الثاني، وقد قمت فيه بترجمة سلسلة المقالات التي نشَرَها “ريتشارد ويكوف” تحت عنوان “طرق چيسي ليڤرمور لتداول الأسهم” Jesse Livermore’s Methods of Trading in Stocks، وهي عبارة عن سلسلة من المقالات تتناول تحليل “ويكوف” لشخصية ليڤرمور وأسلوبه في المُضاربة.
الجزء الثالث والأخير، يتكون من ثلاثة أقسام:
القسم الأول يتناول السيرة الذاتية لحياة چيسي ليڤرمور، وقد اعتمدت في بناءة على مؤلفات “ريتشارد سميتن” Richard Smitten وهو باحث قضى جزء كبير من حياته في دراسة شخصية چيسي ليڤرمور، وقد قام بتأليف العديد من الكتب عنه ومنها:
How to Trade in Stocks – Jesse Livermore
Jesse Livermore: World’s Greatest Stock Trader
Trade Like Jesse Livermore
كذلك فقد أعدَدت في هذا القسم ألبوم يحتوي على صور لچيسي ليڤرمور، ونظرًا لأن العديد من الصور التي وجدتُها كانت قديمة وسيئة فقد قمت بإعادة انتاجها من خلال برامج الذكاء الصناعي حتى تبدو أكثر وضوحًا.
القسم الثاني هو بمثابة خريطة توضيحية لكل الأساليب التي تحدث عنها چيسي ليڤرمور في كتابه. فعندما شرعت في قراءة الكتب الموجودة عن ليڤرمور وجدت أن الكثير منها يُبالغ في حديثة، والكثير منها يَنسِب للرجل قواعد في التداول لم يتحدث هو عنها أو يذكرها، كذلك فإن بعض المؤلفون مُصِرون على وجود سر دفين لم يشأ ليڤرمور أن يذكره لنا أبدًا. وبالطبع فإن كل هذا هراء لا يمُت لأسلوب ليڤرمور للمُضاربة في أسواق المال بصلة. لذلك فقد شرعت في كتابة هذا القسم تحديدًا لكي أُفَرِق ما بين الحقيقي والمزيف حول أسلوب ليڤرمور في المُضاربة في أسواق المال.
القسم الثالث والأخير يحتوي على تعريف ببعض المُصطلحات المهمة التي تكرر ذكرها في الكتاب مثل البيع المكشوف، التداول بالهامش وغيرها. وقد وضعته في النهاية حتى يمكن للقارئ العودة له عند الحاجة.
سوف تلاحظ عند قراءتك لهذا الكتاب أنه لا يحتوي على أية رسوم بيانية للأسهم، وهذا يرجع إلى أن ليڤرمور لم يكن يستخدمها في المُضاربة. فعلى الرغم من أنها كانت موجودة في هذا العصر، لكن يبدوا أن چيسي ليڤرمور كان من الطراز القديم الذي يسجل الأسعار في جداول مستخدمًا الأقلام الملونة مع وضع علامات كملاحظات عند النقاط المهمة. لقد ذكر ليڤرمور أنه يرى أن الرسومات البيانية طريقة مفيدة للتداول ولكنه يفضل أن يستخدم سجلاته الخاصة لتدوين حركة الأسعار.
عُرِف چيسي ليڤرمور بلقب The Plunger Boy، وذلك نظرًا لأن معظم صفقاته الكبيرة في وول ستريت جاءت على الجانب الهابط كصفقات بيع على المكشوف. وقد قمت بترجمة هذا اللقب إلى “الفتى الغواص” بدلًا من الترجمة الشائعة في الوطن العربي وهي “الفتى الغطَّاس”. فبعد البحث في معاني اللغة العربية وجدت أن الغطس يتم على بُعد مسافات قصيرة من سطح الماء، ولا يتطلب معدات معقدة؛ بينما الغوص يتم على مسافات عميقة ويتطلب وجود مُعِدات خاصة مثل الزعانف وأنبوب الأوكسجين والقناع. وبالتالي فلقب “الفتى الغواص” مناسب أكثر لما كان چيسي ليڨرمور يقوم به في أسواق المال.
والآن وبعد هذه المقدمة سأترككم مع هذا الكتاب آملًا من الله عز وجل أن تجدوا فيه ما يفيدكم وأن يكون فاتحة خير على كل من يقرؤه. وأن يساهم ولو بجزء بسيط في إثراء المكتبة العربية بمثل هذا النوع من الكتب. فمن خلال ترجمة المؤلفات الأجنبية حول أسواق المال يمكننا أن نبني قاعدة راسخة من البيانات ومعجم خاص بالمصطلحات الفنية التي يمكنها أن تساعد متخذي القرار على تحقيق المكاسب الملموسة في مجالي المُضاربة والاستثمار.
تحياتي،
محمد البرماوي – باحث في أسواق المال
12 يوليو 2023