المقال الثامن طريقة لي‍ڤ‍رمور في التدرج الهرمي

في جزء سابق من هذا الكتاب أَشَرْتُ إلى بعض النقاط في أساليب عمل چيسي ل. لي‍ڤ‍رمور والتي يمكن مقارنتها بتلك التي اتبعها الراحل “چيمس ر. كين”. إحدى هذه الطرق هي الطريقة التي استطاع بها لي‍ڤ‍رمور، في كثير من الأحيان في الماضي، أن يصنع مِن قدرًا صغيرًا من رأس المال قدرًا كبيرًا من الأرباح.

في أوائل التسعينيات، كان “كين” يتدبر أمر رهان على أسهم شركة “الحبال الوطنية” National Cordage. كان ذلك خلال السوق المريض الذي سبق هبوط عام 1893. قام بدفع سهم الحبال الوطنية للأعلى قدر ما استطاع، ولكن عملية المُراهنة انهارت بِرُمَّتِهَا آخِذَةٌ معها القاسم الأكبر من ثروة “كين” التي كان قد جمعها في هذا الوقت. وعندما تم إزالة حطام التدمير، كان قد تبَقّى لديه 30,000 دولار فقط، وبهذا بدأ في بناء كومة جديدة من الملايين.

جاء إليه صحفي مشهور ذات يوم وأعطاه بعض المعلومات التي تفيد بأن إحدى الشركات التابعة لـ “جيرسي سنترال” Jersey Central (أعتقد أنها شركة ” شركة ليهاي وويلكس بار للفحم” Lehigh & Wilkesbarre Coal Co) كانت تواجه صعوبات مالية وأن النتيجة ستكون خطيرة للغاية بالنسبة إلى “جيرسي سنترال”، الذي كان يُباع في ذلك الوقت حول سعر الـ 70. فهل كان هذا الخبر فخًا لإسقاط الرجل العجوز في عملية بيع على المكشوف. لا أعرف، لكن الأمر بدا مشكوكًا فيه. بدأ “كين” بقَصف الأسهم وحث حاملي الأسهم الآخرين على التصفية، لكنه وجد دعمًا قويًا عند هذا المستوى تقريبًا. بعد أن استنفد جهوده تقريبًا في جانب البيع على المكشوف، بدأ السهم في الارتفاع، وبحلول الوقت الذي وصل فيه إلى سعر 80 أدرك أنه كان مخطئًا، فعكس موقفه واتخذ جانب الشراء بدلًا من البيع على المكشوف.

لقد تكبَد خسارة فادحة، وبالتالي تعرض مبلغ الـ 30,000 دولار لضعف كبير، ولكن هذا لم يُثَبِّط عزيمته. فقد اشترى كل ما في وسعه ومع استمرار السهم في التقدم زاد كميته. بلغ الارتفاع حوالي مائة نقطة من حيث بدأ بيعها على المكشوف، ولكن بحلول ذلك الوقت، نما رأس المال العامل الأصلي لــ “كين” البالغ 30 ألف دولار إلى 1,700,000 دولار، مما جعله يقف على قدميه مرة أخرى.

في ديسمبر من عام 1906، رأى السيد لي‍ڤ‍رمور احتمالات هبوط السوق، ورأى أن الكسر قادم بأكبر قدر ممكن من الوضوح، فباع على المكشوف قدرًا معتدلًا. وكل نقطة انخفاض في الأسهم التي باعها أعطته مساحة أكبر للمناورة، وسرعان ما استغل الفرصة. استمر في البيع على المكشوف بالسرعة التي يسمح بها سمساره وبحلول الوقت الذي حدث فيه القسم الأول من الهبوط عام 1907 – أي في غضون بضعة أشهر بعد أن بدأ العمل على الجانب الهابط – كان لديه 1,000,000 دولار في رصيده.

درس من مُضارب سِلَع

لم يكن أسلوب “التدرج الهرمي” Pyramiding شيئًا جديدًا بالنسبة إلى لي‍ڤ‍رمور في عام 1907. وعلى الرغم من أنه قد عدل منذ ذلك الحين أساليبه في بعض التفاصيل، إلا أنه لم يفقد بأي حال من الأحوال القدرة على الاِستفادة من ميزته. وبذلك، أخذ نصيحة من كتاب “ديكسون جي واتس” Dickson G. Watts، وهو مُضارب قطن ناجح جدًا لجيل مضى، والذي قال: “من الأفضل أن يكون التدرج الهرمي إيجابي على أن يكون سلبي. هذا الرأي مخالف للرأي الشائع والذي يتم العمل بالاعتماد عليه، إنه ممارسة الشراء، وفي حالة التراجع، يتم شراء المزيد، فإن هذا يقلل من المتوسط. من المحتمل أن تؤدي هذه الطريقة أربع مرات من أصل خمسة إلى إحداث تصحيح في السوق يمنع الخسارة، ولكن في المرة الخامسة، عندما يواجه سوقًا هابطًا بشكل دائم، يفقد المُضارب عقله ويغلق صفقته، محققًا خسارة فادحة – خسارة كبيرة تؤدي إلى إحباط كامل – غالبًا ما تكون مدمرة، لكن التدرج الهرمي هو عكس الطريقة الموضحة للتو؛ وهذا يعني، الشراء في البداية باعتدال ومع تقدم السوق، نضيف المزيد من الشراء ببطء وبحذر. هذه طريقة للمُضاربة تتطلب عناية كبيرة ويقظة”.

بالطبع، لم يبتكر السيد واتس هذه الطريقة القديمة قِدَم وول ستريت. يمكن إرجاع العديد من ثروات المُضاربة الكبيرة إلى ذلك. اعتاد “أديسون كاماك” Addison Cammack أن يقول “الرب إلى جانب أثقل الكتائب“، وهو مُضارب على الهبوط مشهور، اعتاد أن يتدرج هرميًا، ويضرب الأسعار لأسفل أكثر فأكثر بينما تسير في طريقه.

منذ حوالي ثمانية عشر شهرًا، كُنت أناقش مع السيد لي‍ڤ‍رمور مزايا التدرج الهرمي. أخبرته أنني رأيت بعض النتائج الرائعة التي تم التوصل إليها بهذه الطريقة وبتوظيف مبلغ صغير جدًا من المال. بينما كان يميل في ذلك الوقت إلى تفضيل اتخاذ مركز محدد مع المبلغ الكامل للسهم عند مستوى البيع أو الشراء الأصلي، فقد قام منذ ذلك الحين بتعديل خطته هذه، بحيث إنه إلى حد معين، سنقول لأول عدة نقاط من الحركة السعرية، يقوم بما يمكن تسميته بالتدرج بالهرمي المحدود. وهو يعتقد الآن أن الطريقة الأكثر استنارة لمتابعة هذه الممارسة هي، أولاً، أن يأخذ جزءًا من الصفقة. ثم عندما يؤكد السوق دقة رأيه، فإنه يضاعف المبلغ، وإذا تم تسجيل إجراء إيجابي آخر على شريط الأسعار، فسوف يكمل صفقته. نظرًا لأنه يعمل على كميات كبيرة من الأسهم، فإن مشترياته توفر بشكل طبيعي دفعة إضافية في الاتجاه المطلوب.

رأس هادئ لاتخاذ القرارات المهمة

هناك قاعدة أخرى من قواعد واتس التي تبناها السيد لي‍ڤ‍رمور والتي لها فائدة كبيرة جدًا، وهي: “المبدأ الأساسي الذي يكمن كقاعدة لكل التكهنات هو هذا: التصرف مع إبقاء العقل واضحًا، وحكمه جدير بالثقة. لذلك ينبغي ادخار قوة احتياطية والاحتفاظ بها في اللحظات القصوى، عندما يجب وضع كامل قوة الرجل في الضربة التي يتسلمها”. إنها اللحظات الأشد خطورة، سواء في ذروة الأسواق الصاعدة الكبرى أو في قاع السوق الهابط، ولسنوات عديدة ماضية، أنجز لي‍ڤ‍رمور أكثر أعماله فاعلية. لأنه يدرك بقوة الميزة الهائلة المتمثلة في تغطية صفقة بيع على المكشوف كبيرة والشروع في الشراء عندما يكون السوق في حالة من الذعر، والخروج من صفقات الشراء والبيع بينما السوق يغلي في الاتجاه الصاعد. لا أقصد أنه يختار دائمًا اللحظة النفسية، لكن متوسط النسبة المئوية للدقة في هذا الصدد كان بلا شك أعلى من أي مُضارب محترف آخر لسنوات عديدة ماضية، لأنه في مثل هذه النقاط كانت القوة الكاملة للتدرج الهرمي أو عمليات الشراء الطويلة الصبورة حتى وصول السوق إلى ذروته واتخاذ القرار الذي يضعه في خط التأرجح الكبير التالي في الاتجاه المعاكس.

هذه المباراة من أجل بناء مركز التداول تشبه إلى حد كبير إرساء الأساس لتشييد مبنى – فكلما نزل المرء بعمق أكثر في الصخر، كلما كان هيكله أكثر صلابة وشِدة. في اللعب على المركز عندما يعمل على جانب الدبيّ الهابط، يجب أن يكون على دراية بإمكانيات الحركة العكسية وأن يكون على اطلاع على فرصة الشراء الحقيقية. من هذه النقطة إذا تم تحديد موقع الدخول بشكل صحيح، يمكن أن تبدأ عمليات التدرج الهرمي بأكبر احتمال للنجاح. تجربته تثبت ذلك، كقاعدة عامة. ليس من الحكمة مد عمليات التدرج الهرمي بعيدًا عن قاعدتها، لأن متوسط سعر صفقته قد يؤدي إلى تصحيح مهم قد يؤدي بالمعاملة إلى خسارة كبيرة على الورق. هذا هو أساس تفضيله للتدرج الهرمي المحدود.

الخلاصة

أكثر ما يثير اهتمامي في هذه المقابلة هو أن السيد لي‍ڤ‍رمور، صاحب العبقرية الطبيعية والفطرة المتطورة لقراءة شريط الأسعار، حقق نجاحه في بيع وشراء الأوراق المالية فقط بعد أن أصبح متجهًا للمواصفات. تتم عملياته الرئيسية تمامًا مثل عمليات التاجر الذي يتنبأ بدقة بالطلب المستقبلي على سلع معينة، ويشتري كميته ويَنتظِر بصبر الوقت الذي قد يحقق فيه ربحًا. تمامًا كما هو منطقي، عندما يتوقع زيادة العرض، فإنه يتعاقد على تسليم البضائع المستقبلية التي يُعتَقد أنها ستكون قابلة للشراء بعد ذلك بأسعار أقل. يقول السيد لي‍ڤ‍رمور: “ليس هناك سحر في النجاح. لا يمكن لأي إنسان أن ينجح ما لم يكتسب معرفة أساسية بالاقتصاد والظروف من كل نوع”.

تكمن القيمة البارزة لتجارب لي‍ڤ‍رمور هذه في أنها تُظهِر لرجل الأعمال العادي الذي يعتبر الاستثمار في الأسهم ليس عملًا هامشيًا، وأن المرء لا يحتاج إلى أن يكون عبقريًا لكسب المال في سوق الأسهم.

في حين أن القليل من الناس هم بطبيعتهم موهوبون ليصبحوا مُضاربين رائعين، فإن المعرفة بأساليب السيد لي‍ڤ‍رمور تثبت أنه يمكن الحصول على أفضل النتائج، ليس من خلال التداول النشط، ولكن من خلال الدراسة المتأنية للعوامل التي تؤثر على السوق وظروف العمل.

العودة إلى الفهرس

Scroll to Top