المقال الثاني كيف يستعد لعمل اليوم

لي‍ڤ‍رمور المُبكر

في مهمة تحليل الأساليب التي يستخدمها چيسي ل. لي‍ڤ‍رمور في سوق الأوراق المالية، لن أبدأ بتقديم تاريخ عملياته السابقة، ولكن سأذكر فقط حقيقة أنه بدأ في سن مبكرة (الرابعة عشرة)؛ وحتى عام 1922 فإنه يتاجر في الأسهم لمدة ثلاثين عامًا تقريبًا. من هذه الفترة كرَّس خمسة وعشرون عامًا ليجد أسلوبه. تقلبت ثروته خلال تلك الفترة على نطاق واسع من ورقة بقيمة خمس دولارات إلى مليون دولار، ثم العودة إلى لا شيء، ثم هبوطًا إلى مليون دولار أو أكثر من الديون، وكلها أظهرت قدرته على كسب المال في السوق مع الوقت؛ كانت عقبته في الاحتفاظ به. وهو ما يثبت أن أساليبهُ وقتها فقط كانت فعّالة إلى حدِّ ما.

كيف اكتشف في النهاية نقاط ضعفه وعالجها؛ كيف حوَّل نمطه النشط والمتردد من التداول إلى صفقات طويلة الأجل غير نشطة نسبيًا محصلتها الربح المُستمِر، وهي موضوعات لأجزاء لاحقة من هذه السلسلة من المقالات. دون مزيد من المقدمات لذلك، دعونا نشرع في تحليل أساليب السيد لي‍ڤ‍رمور، لأن كل من حاول جني الأموال من الأوراق المالية يرغب في تعلم “كيفية” العمل. ولا يمكن العثور على مثال أفضل.

تنظيم يوم العمل الخاص به في السوق

يكمن عنصر مهم في نجاح أي شخص في الطريقة التي يتم بها تخطيط أعماله اليومية. نسبيًا، قلة من الرجال يخططون ليوم عملهم مُسبقًا. إنهم يمرون بنمط يومي معين يختلف باختلاف عدد المتصلين بهم أو المؤتمرات التي يحضرونها أو العوائق التي تواجههم. مما يتركهم في نهاية اليوم مع بعض الأمور الهامة التي لم يدرسوها أو يتخذوا فيها قرار. ليس الأمر كذلك مع ليڨرمور. آرائه مبنية على حقائق معينة. إنه يحتاج إلى الوقت والعزلة لفحص هذه الحقائق واستيعابها وفهمها؛ لتشكيل استنتاجاته والتخطيط لحملاته.

يستعد للعمل اليومي بالنوم في الساعة العاشرة مساء. يذهب إلى الفراش مبكرا لأنه يعلم أن الرجل البارع يستفيد من كل شيء. لا يهمل أي شيء يمكن أن يزيد من فرص نجاحه؛ لكن الرجل الأقل براعة، في بعض الأحيان، بتجاهل عنصر ما يفشل في كل شيء.

في إطار عمل اليوم

إنه لا يرغب فقط في الحصول على قسط وافر من النوم؛ ولكنه يود أن يستيقظ مبكرا. ليكون منتعِشًا تمامًا للعمل اليومي. يقضي ساعة أو ساعتين قبل الإفطار ليدرس الأوضاع العالمية التي تؤثر على البورصة. الخدمات المصرفية، تجارة العملات الدولية، المحاصيل، تقارير الشركات وإحصاءات التجارة. إنه يختار الصباح الباكر لدراسة هذه الموضوعات لأن عقله في ذلك الوقت يكون مُستريح تمامًا وخالٍ من آثار اليوم السابق. مثل لوحة فوتوغرافية جاهزة لطباعة.

يقرأ الصحف الصباحية الرئيسية لكي يحلل ويزِن تأثير الأخبار. معظم هذا قد تم تطويره من الأحداث العالمية في اليوم السابق، والجزء الأكبر قد وصل إليه من خلال قصاصات الأخبار وبريد الأخبار والصحف المسائية؛ ولكن في الصباح يرى كل هذا من زوايا جديدة. إنه لا يتبع الممارسة الشائعة المتمثلة في قراءة العناوين الرئيسية وإهمال بقية الأخبار. فَخَبَر صغير من ثلاثة أسطر في زاوية غامضة من الجريدة قد يعني له أكثر من باقي المحتويات. في أحد المرات سافر لمسافة أربعة آلاف ميل ليقوم بصفقة في السوق لأنه لاحظ إشعارًا موجزًا بتوزيع الأرباح في إحدى الصحف. عرف منه أنه يمكن أن يشتري 100,000 سهم بُناء على خبر واحد ثم قام بعكسِ صفقة الشراء، وذلك بالخروج منها وبيع السهم على المكشوف، وهذا لأنه اكتشف أنه أساء فهم الخبر.

التنقيب عن الحقائق

إنه يفترض أن الصفحات الأولى والعناوين الكبيرة في الصحف تُنشَر للاستهلاك العام. أما الحقائق الحيوية، حسب قوله، فعادة ما يتم إخفاؤها بكل السُبل بعيدة عن الطريق. لذلك فإنه يُنقِّب عنهم. وإذا تعذر تحديد موقعهم في الصباح أو أثناء النهار، فإنه سوف يتجاهل مؤقتًا قاعدة النوم المبكر ويجلس حتى الساعة الواحدة أو الثانية صباحًا حتى يحصل على ما يسعى وراءه.

في الصُحف يجد أخبار مُعينة عن الفولاذ والفحم والمنسوجات والنحاس والسيارات والمعدات وغيرها من الصناعات الرائدة بالإضافة إلى أسواق القطن والحبوب والسكر والعديد من أسواق السلع الأخرى. كل هذه الأخبار يتم التدقيق فيها كمؤشرات للظروف في قطاعاتِ تخصصهم. وبشكل غير مباشر، هم أيضًا أدلة للحكم الصحيح على ظروف العمل بشكل عام.

أي شخص استخدم الساعات الأولى من اليوم لهذا الغرض يدرك الفائدة الهائلة التي يتم اكتسابها في هذه الممارسة. البيت هادئ، لا شيء يُعيق تدفق الأفكار خلال فترة كافية من أجل دراسة الموضوعات. التحقيق والتوصل إلى الاستنتاجات. لا يوجد جزء آخر من اليوم يوفر مثل هذه الفرصة الرائعة للاستيعاب الهادئ لمثل هذه البيانات. لا يمكن القيام بهذه المهمة بشكل فعال ما بين أوقات قراءة شريط الأسعار، عندما تتدفق الأسعار خلال ساعات العمل في السوق.

هناك ميزة أخرى لا تبدو ظاهرة على السطح: هذه الفترات الدراسية بينها فوارق زمنية تساوي أربع وعشرون ساعة، التغيرات للأفضل أو للأسوأ يتم قراءتها بسهولة. يقول علماء الرياضيات أن أحد أهم عناصر دراسة منحنى أي رسم بياني يظهر تقدم حركة أي صناعة أو عمل تجاري هو عنصر التغيّر تجاه الأفضل أو الأسوأ، وأن هذه التغيرات لا يجب دراستها من حيث الاتجاه فقط ولكن من حيث سرعة حدوثها على فترات زمنية متساوية. لقد وجدَت أن هذا صحيحًا في دراسة السوق في وقت كُنت فيه مُنشغلًا في مجالات أخرى، كُنت فقط أستطيع أن أوفر ساعة يوميًا لدراسة السوق. هذه الفترات رغم أنها قصيرة ولكن انتظامها أثبت أن له منافع أكبر من عيوبها. فخُذ دراسة أي وضع بهذا الأسلوب، وستجد أن تأثير هذه الطريقة يشبه التقاط سلسلة متتالية من الصور الفوتوغرافية مأخوذة لمدة أسبوع لتُظهِر مدى التقدم في تشييد أحد المباني. يمكن للمرء أن يلاحظ سرعة التغيُّر الذي يحدث في أحد الاتجاهات. وعندما يحدث تباطؤ في سرعة أحد الاتجاهات، فإنه يأخذ حذره من أن التغيرات أصبحت على وشك الحدوث.

إنه يعلّم نفسه

لا يهتم لي‍ڤ‍رمور بما قد يقوله هذا الشخص أو ذاك عن الوضع الحالي لصناعة معينة. إنه يريد رؤية ودراسة الإحصائيات التي توضح الظروف التي من المحتمل أن تسود في هذه التجارة بعد عدة أشهر من الآن. عندما كانت الأخبار تشير إلى أن شركات الصلب تعمل بنسبة 25٪ إلى 30٪ من طاقتها، أخبرني أن الرقم الفعلي أقل من 20٪. هذا هو نوع المعلومات التي يستخرجُها من مصادر مختلفة، في وقت مبكر من الصباح عندما يكون الآخرون نائمين. يشكل تركيزه اليومي على الاقتصاد والاتجاهات التجارية وما إلى ذلك، خلفية للآراء التي شكلها قبل افتتاح السوق في الساعة العاشرة صباحًا.

في مناقشة حديثة، قال السيد لي‍ڤ‍رمور: “لا يمكن لأي شخص أن ينجح في السوق ما لم يكتسب معرفة أساسية بالاقتصاد ويتعرف تمامًا على كل أنواع الظروف – المركز المالي للشركة، تاريخها الماضي، الإنتاجية، وكذلك حالة الصناعة التي تعمل فيها، والوضع الاقتصادي العام. لا يوجد سحر حول النجاح في سوق الأوراق المالية؛ الطريقة الوحيدة التي أعرفها لكي ينجح عامة الناس في استثماراتهم هي أن يقوموا بالبحث قبل الاستثمار“.

ربما يكون قد أضاف: اِستيقظ في الصباح الباكر لإنجاز هذا، لأنه ربما لن يكون هناك وقت لإتمام ذلك أثناء النهار، ولا في الليل عندما يكون العقل مرهقًا من أنشطة اليوم. وبشكل أكثر تحديدًا، ينطبق هذا على أولئك الذين لا يقومون بعمل تجاري في الأسهم.

يمارس معظم الناس التفكير بصورة روتينية. أنهم مخلوقات تعتمد على العادات. يستيقظون في الثامنة لأن عليهم التواجد على مكاتبهم في التاسعة. وفي المساء يشعرون بالحاجة إلى اللهو والمرح، والذي يعني عادة قضاء الوقت في المسارح، الرقص أو لعِب البريدج. إنهم يعتبرون أن هذا الاستجمام من حقهم، وهو ما يعني البقاء خارج المنزل لوقت متأخر من الليل وحصولهم على القليل من النوم. الحقيقة أنه يمكنهم التعايش مع هذا الوضع، ولكن هل يمكنهم المضي قدمًا إذا مارسوا هذا باستمرار؟

إنه يركز على الأساسيات

على عكس العادات الثابتة لمعظم الرجال؛ لي‍ڤ‍رمور على استعداد للتضحية بالعديد من مجالات اللهو والمرح التي تشغل أعدادًا من الناس بدءًا من الساعة العاشرة مساءً إلى منتصف الليل. يقتطع ساعة أو اثنتين ليكرس تلك الساعات القليلة للنوم. وبالتالي يحصل على فترة صباحية للدراسة لا يقاطعه فيها أحد. ساعات العمل المتأخرة والنوم المتأخر شيئان تحب الغالبية الانغماس فيهما؛ تُعرَف هذه الأغلبية باسم “الجمهور”. الملايين منهم يحاولون بطريقة غير طوعية إتقان أعظم وأصعب لعبة في العالم – لعبة تتطلب عكس العادات العقلية والبدنية السابق الحديث عنها بشكل كامل. لا ينبغي لأي شخص أن يتعامل بجدية في الأسهم كمهنة دون اعتماد مثل هذه الأساليب التي من شأنها أن تؤهله تمامًا لعمله. تشير تجارب ليڨرمور إلى أن اثنين من العادات المطلوبة وهما: (1) الكثير من النوم. و (2) متسع من الوقت للدراسة والتأمل عن كثب ودون انقطاع في العناصر والمؤثرات التي تشكل اتجاه السوق؛ وفي العوامل التي تحدد الرخاء أو الكساد في الأعمال بشكل عام.

لي‍ڤ‍رمور طالِب حريص على دراسة الطبيعة البشرية في علاقتها بسوق الأوراق المالية. كما قال هو نفسه في المقابلة التي أشَرت إليها سابقًا أن “المعرفة والصبر هي من أساسيات نجاح سوق الأسهم. لذا، ينجح القليل من الناس في السوق لأنهم لا يتحلون بالصبر. فهم يريدون الثراء بسرعة. فهم لا يرغبون في الشراء عندما ينخفض سعر الورقة مالية ثم يترقبون الوضع. إنهم في الغالب يشترون عندما يرتفع سعر الورقة المالية؛ وبالقرب من القمة”.

نجح لي‍ڤ‍رمور لأنه أجرى دراسة عميقة لسوق الأسهم ولنفسه. هذا هو الطريق لتحقيق النجاح في أي شيء. كتب نابليون: “إذا بدى إنني مستعد دائمًا لمواجهة كل حالة طارئة، ولمواجهة كل مشكلة، فذلك لأنني قبل الشروع في أي مشروع أفكر فيه لفترة طويلة، وبالتالي أتوقع ما يمكن أن يحدث. إنه ليس شيئًا عبقريًا أو خفيًا ما أقوله أو أفعله في بعض الظروف الغير متوقعة من قبل الآخرين، أنها تأملاتي وأفكاري”.

في ذات يوم، ذَهَبت إلى مكتب لي‍ڤ‍رمور مع صديق أراد أن يقدم له بعض الحقائق التي تطورت للتو حول موقف سهم معين. بالكاد ذكر الصديق اسم الشركة عندما قام لي‍ڤ‍رمور بإخراج مُذكرة من الدرج العلوي بمكتبه وقال: “هل هذا ما تعنيه؟ هذه المعلومات لديّ منذ أربعة أيام”.

سوق المال يتطلب الدراسة

“أي شخص يَعتقد أن نجاحه يعتمد على الصدفة ربما يجب أن يظل بعيدًا عن السوق. موقفه خاطئ من البداية. المشكلة الكبيرة مع الرجل العادي الذي يشتري الأوراق المالية هي أنه يعتقد أن السوق هو صالة للمقامرة.

ينبغي للمرء أن يدرك في البداية أن مهنة المُضاربة تتطلب نفس المستوى من الدراسة والإعداد مثل الطب أو القانون؛ هناك قواعد معينة تنطبق عليه والتي يجب دراستها عن كثب كما لو كان طالب قانون يستعد لامتحان نقابة المحامين. كثير من الناس ينسبون نجاحي إلى الحظ. الحقيقة هي إنني درست هذا الموضوع عن كثب لمدة خمسة عشر عامًا. قد تقول إنني ضحيت بحياتي له. أركز عليه وأبذل قصارى جهدي فيه”.

الاستنتاجات

مما سبق نتعلم:

  • يتطلب تحقيق النجاح الباهر والدائم كمُضارب في سوق الأوراق المالية أن يكرس المرء حياته للعمل. يجب أن يكون لديه أيضًا شخصية معينة تتكيف مع هذا النوع من العمل؛ قدرات مميزة بشكل خاص في هذا المجال. وكذلك رغبة قوية للنجاح فيه.
  • نادرًا ما يكون رجل الأعمال العادي الذي كرس جزءًا كبيرًا من حياته لمهام أخرى مهيئ ليصبح ما تعترف به وول ستريت كمُضارب، ولكن يمكنه، دون التعارض مع عمله المعتاد، اكتساب فهم للأعمال ويصبح مستثمر ناجح علميًا وعمليًا بما يتناسب مع الجهد والذكاء الذي يضعه في هذا العمل.
  • المعرفة الدقيقة للظروف الأساسية أمر لا غنى عنه.
  • يجب تخصيص فترة معينة من اليوم للدراسة.
  • من الأفضل تكوين الآراء السليمة على أساس الحقائق الفعلية القادمة من مصادر أصلية وحقيقية آمنة. تزداد القدرة على تفسير هذه الحقائق مع الوقت والخبرة.
  • الأخبار الحقيقية ليست في العناوين الرئيسية. يجب على المرء أن يبحث عنها في مكان آخر. القدرة على التنبؤ بالظروف التي ستسود في المستقبل أمر ضروري للغاية.

العودة إلى الفهرس

Scroll to Top