يستعرض هذا الألبوم بعض الصور الشخصية للفتى الغواص “چيسي ليڤرمور” للتعرف إليه عن قرب أكثر؛ ونظرًا لأن الكثير من هذه الصور الأصلية قد التُقِطت من حوالي مائة عام فإن عامل الزمن قد ترك انطباعه عليها؛ لذلك فقد قمت بتحسين هذه الصور باستخدام أحد برامج الذكاء الصناعي لتُصبح أكثر وضوحًا.
اِمتازت شخصية الفتى الغواص بالهدوء الشديد، فهو من النوع الذي ينصت أكثر من أن يتكلم. هذا الطبع ساعده كثيرًا في تحليل الأحداث التي تُعرَض أمامه على مسرح البورصة لاستنتاج ما يدور وراء الكواليس. فقد كان مُهتمًا بقراءة العناوين الرئيسية في الجرائد والمجلات. وكان يرى أن هذه العناوين تخفي ورائها حقائق لا يرغب صاحب القرار في أن يعرفها عامة الناس، لذلك كان الفتى الغواص يحاول الربط بين هذه العناوين من أجل استكشاف هذه الحقائق قبل الاستثمار فيها.


اعتمد ليڤرمور على الصبر كسلاح مزدوج لاصطياد فرائسه في السوق. فمن خلال الصبر كان يتصيّد الوقت المناسب للدخول في صفقاته، فإذا اثبتت الصفقة له أنه في الاتجاه الصحيح فإنه كان يصبر عليها ولا يستعجل في اتخاذ الأرباح، بل يتركها تنمو لأقصى حد تستطيع الوصول له قبل أن يخرج منها رابحًا. والاستثناء الوحيد لقاعدة الصبر عنده كان عندما تحقق صفقاته الخسائر، فعندها فقط كان يخرج مُسرِعًا من السوق حتى يقلص خسائره لأدنى قدر ممكن.
بالإضافة للصبر والهدوء فإن الفتى الغواص كان شديد الحيطة والحذر في خطواته داخل غابة أسواق المال بكل ما فيها من دببة وثيران. لذلك فقد كان يعتمد على أسلوب التدرج الإيجابي في التداول، فكان يبدأ صفقاته بحصة صغيرة من الأسهم أو عقود السلع، فإذا وجد أنه يتحرك في الاتجاه الصحيح فإنه كان يرفع كميته بالتدريج وبحذر متمشيًا مع الاتجاه العام للأسعار حتى تأتي النهاية وعندها يخرج فورًا وبدون تردد حاملًا معه كل ما يستطيع من الأرباح.

اِمتاز ليڤرمور بالأناقة والرقي، فقد كان يرى مهنة المُضاربة في أسواق المال من منظور الرفاهية والترف. لذلك فقد كان يرتدي أغلى أنواع الملابس وكان يمتلك الكثير من وسائل الترف والترفيه له ولعائلته. فكان لديه قصر كبير، ويخت لصيد الأسماك، وعربة خاصة في القطار السريع يستخدمها للذهاب من نيويورك لبورصة شيكاغو حتى يتداول على عقود السلع الزراعية.
ومن وجهة نظري التي استنتجتها من خلال مقارنة أسلوب حياة ليڤرمور مع الكثير من رواد المُضاربة في أسواق المال سواء في العصر الحديث أو العصور السابقة، فإن أسلوب حياة ليڤرمور هو أكثر ما ميزه عن غيرة من المُضاربين. فهذا الرجل وضع المُضاربين في أسواق المال على قائمة الطبقة المميزة في المجتمع التي تفتخر بالثراء، تشرق بالرقي وتتباهى بالأناقة.
ففي العصر الحالي الذي نعيش فيه، يفتقد المُضاربون لهذه اللمسة الجمالية، والتي أصبحت الآن ملكًا للفنانين ولاعبي كرة القدم وغيرهم من فئات المجتمع. لذلك فإنني أرى ليڨرمور بمثابة قدوة في هذا الجانب من حياة المُضاربين في أسواق المال.

كانت حياة ليڤرمور مليئة بالتقلبات والتموجات وكأنه سفينة ضائعة وسط البحر تعبث بها الأمواج بينما يبحث قبطانها عن شاطئ للنجاة. فقد بنى العديد من الثروات من المُضاربة في الأسواق وفقدها ثم أعاد بنائها من جديد. كذلك فإن حياته الشخصية كانت متخبطة لأبعد الحدود، ففي طفولته طاله الفقر ماديًا ومعنويًا. وفي شبابه ورجولته حاول أكثر من مرة أن يبني حياة زوجية وأسرة، ولكنه فشل في ذلك. كل هذا أدى في النهاية لإصابته بالاكتئاب الشديد وما تبعه من اِنتحار.
إن التقلبات الحادة في حياة ليڤرمور والتي كانت تنتقل به من الثراء الفاحش إلى ضياع ثروته ثم إعادة بنائها من جديد ربما قد تكون هي التي دفعته مع مرور الوقت للاكتئاب. أو ربما يكون هذا الاكتئاب مرض عائلي متوارث، والدليل على ذلك هو والده الذي أدمن الخمر وأبنه الأكبر والذي مات مُنتحرًا هو الآخر. في النهاية فإن قراره بأن ينهي حياته بالانتحار لم يكن قرار صائب في رأي الكثير ممن درسوا حياته الشخصية، وربما كان ليتراجع عنه، ولكن لأنه شخص كتوم ولا يظهر للآخرين الأفكار التي تدور في رأسه فقد اتخذ قراره في صمت ورحل.

صورة فوتوغرافية من عشرينيات القرن الماضي تجمع كل من چيسي ليڤرمور مع زوجته الثانية “دوروثي ليڨرمور”. نرى كيف كانت القبعات الطويلة في هذا الزمن رمزًا للأناقة والرقي. ومن الأشياء التي لفتت انتباهي في هذه الصورة، حذاء “دوروثي” الأبيض الذي يشبه كثيرًا أحذية لاعبات الباليه، كذلك فهي تقف بنفس الطريقة التي تقف بها لاعبات الباليه على خشبة المسرح… ولِم لا فهي كانت راقصة باليه على مسارح برودواي، ومن هناك تعرف عليها چيسي ليڤرمور وتزوجها.

لعبت “دوروثي” دورًا كبيرًا في التراجيديا الحياتية لزوجها ليڤرمور. فبعد أن تزوجها ربح ملايين الدولارات من أسواق المال، فاشترى لها قصرًا ويختًا وأنجب منها الأطفال، فكانت ملكة متوجة بين مَن حَولَهَا من النساء. ولكنها رفضت كل هذه النِعم واتجهت إلى حياة السُكْرِ والعربدة، فكانت تشرب الكحول حتى الثمالة. وفي هذه الصورة الفوتوغرافية تحديدًا نرى “دوروثي” وهي ترتدي عقد من اللؤلؤ يصل سعره إلى ثمانين ألف دولار، وهو مبلغ ضخم جدًا في هذا الوقت، أو حتى في وقتنا الحالي. ولهذا العُقد قصة طريفة. ففي أحد الأيام هجم أثنين من اللصوص على بيت ليڤرمور حتى يسرقوه، وكان رد فعل “دوروثي” عندما رأت اللصوص في بيتها هو أنها ساعدتهم في معرفة أماكن المسروقات وأعطتهم هذا العُقد ثم طلبت منهم الخروج من المنزل في هدوء حتى لا يوقظوا الأولاد من نومهم!

صورة تجمَع بين كل من چيسي ليڤرمور، زوجته الثالثة “نينا”، واِبنه الأكبر حيث يقف الثلاثة على أرض المطار في كامل أناقتهم. فالأب يرتدي بذلته ذات البنطالون الضيق عكس الأبن الذي يرتدي بنطالون واسع، كذلك فالأب يرتدي قبعته المرتفعة ويضع وردة بيضاء في سترته عكس الأبن الذي يضع منديل أبيض ولا يرتدي القبعات.
من المعلومات الخاطئة المنتشرة حول زوجة ليڤرمور الثالثة كونها تزوجت من أربع أشخاص قبله كلهم ماتوا منتحرين وأن ليڨرمور كان خامسهم. وهو أمر غير منطقي، فلو حدث للاحقتها الشرطة بتهمة القتل المتسلسل. وقد أثبت الصحفي “ماثيو هانسن” Matthew Hansen أن هذه الإشاعة عارية تمامًا من الصحة، فقام بكتابة مقال نشره على موقع https://omaha.com بعنوان Hansen: Tale of Omaha’s ‘black widow’ is too tempting to not investigate وضَّح فيه الكثير عن حياة الأرملة الشابة “هارييت”. فكما ذكرنا من قبل، فإنها قد تزوجت مرتين فقط قبل ليڨرمور، وأن زوجها الأول فقط هو الذي انتحر أما الثاني فقد طلقها وهذا ينفي عنها التهمة.
الغريب في قصة “هارييت” هو أنها تزوجت بعد وفاة ليڤرمور للمرة الرابعة من إيطالي اسمه “ألكسندر” Alexander والذي يُعتقد أنه قد قتلها بوضع السم لها في الدواء عندما كانت مريضة، وقد شكَّت الممرضة الخاصة في الأمر، فأبلغت عائلة “هارييت”، ولكنها كانت قد توفت بعد ذلك بأسابيع قليلة. وقد حصل هذا الزوج الإيطالي على ما تبقى من ثروتها. لذلك، فـ “هارييت مينز” لم تقتل أي من أزواجها، بل ربما قتلها زوجها الرابع، وهذه قصة أخرى.

كان چيسي ليڤرمور رجلاً وسيمًا وذو نفوذ، يعتز بحياته الخاصة. كان يتحرك في صمت وغموض، وكان مثل النعناع البري للنساء. وفي هذه الصورة نراه يقف بين مجموعة من الحسناوات ومن بينهم زوجته الثالثة “نينا” والتي تقف على يمينه.

في عز مجده، اِمتلك چيسي ليڤرمور منزل فخمًا قام بتزيينه بكل ما يجده من الأثاث الراقي، وكان لديه غرفة للطعام بها طاولة تتسع لستة وأربعين فردًا، وقد عمل في هذا المنزل أكثر من أربعة عشر خادم. ولكن عندما طلبت زوجته الثانية الطلاق حُكِم لها بهذا المنزل، حيث قامت ببيعة بأقل من عُشر قيمته، مما أصاب چيسي ليڨرمور بالحزن.
والصورة التالية لمنزل ليڤرمور من الخارج. حيث يمكننا نرى مدى اتساع الحديقة، وكِبَر حجم المنزل، مع الخدم الذين يملؤون المكان، والنوافذ الكبيرة المفتوحة لاستقبال أشعة الشمس الدافئة.

صورة لليخت الذي اِمتلكه ليڤرمور والذي كان اِسمه ” أنيتا ڤينيتيان” Anita Venetian، وقد أحب الفتى الغواص رياضة اليخوت والصيد كثيرًا، فمنظر الماء والسماء الزرقاء المفتوحة على مصرعيها كان يعطيه صفاء الذهن اللازم للتفكير والتخطيط لخطواته التالية.
أحب ليڤرمور رياضة الصيد وكان يقضي الكثير من وقته فيها، وقد سُجِلَ في عام 1937أنه استطاع صيد سمكة “أبو سيف” تزن 220.4 كيلو جرام. وفي هذه الصورة نراه يقف فوق اليخت الخاص به مرتديًا زي قبطان البحار بعد أن عاد من أحد رحلاته البحرية محملًا بالغنائم من الأسماك الضخمة.

