بعد أن تقرأ بعض المقالات الموجودة على هذه المدونة يا صديقي، قد يتبادر لذهنك سؤال مهم وهو: هل المُضاربة في أسواق المال شيء يدعو للاعتزاز والفخر؟
من وجهة نظري المتواضعة، نعم يا صديقي، هي كذلك. فهي مهنة مثل أي مهنة أخرى. ويوجد لها قواعد وعلوم تدرس. وهي تدر عائد جيد على من يمتهنها. ولكن للأسف الشديد، هناك بعض السلبية في مجتمعات العربية حول كون المرء مُضارب في أسواق المال. والكثير من المتداولين يخجلون من التصريح حتى لأعز أقاربهم بأنهم يُضاربون في أسواق المال. حتى الناجح منهم يحاول أن يتستر على مهنة المُضاربة خشية نظرة المجتمع له. تلك النظرة المزدوجة التي تحمل طابع الإعجاب الممزوج بالحسد لاعتقادهم بأن من يُضارب في أسواق المال يجني مالًا سهل. وفي هذا المقال أود أن ألقي الضوء على الجانب الإيجابي لمهنة المُضاربة ولماذا يجب أن يفتخر كل متداول في السوق بما يفعله.
يقول البعض “المُضارب لا ينشئ أو ينتج أي شيء”؛ هذا خاطئ للأسباب التالية
السبب الأول تاريخي.
فعبر تاريخ الحضارة البشرية كان التجار هم الذين يشترون ويبيعون البضائع عبر الأسواق المباشرة، وذلك من خلال التقاء التجار بالمستهلكين واتمام العمليات التجارية يدًا بيد. وتاريخيًا، تم تداول سلع مثل الحرير والتوابل وزيت الزيتون والأحجار الكريمة والأصباغ والملح والعديد من السلع الأخرى منذ العصور القديمة للفينيقيين والبابليين. حيث وضع هؤلاء التجار الأوائل منذ آلاف السنين الأسس اللازمة لتطور النظم الاقتصادية الحديثة. فقد بنى التجار الأوائل العالم الحديث للتجارة والتمويل.
أما اليوم فالمُضاربون حول العالم يتداولون الأصول الرقمية من خلال أسواق الوسطاء ذات الطابع الإلكتروني الذي يعمل على سرعة التنفيذ. هذه الأصول الرقمية مرتبطة بشركات حقيقية وسلع وعملات. فعندما يضع الناس البنزين في سياراتهم، أو يشربون عصير البرتقال مع وجبة الإفطار، أو يشترون المجوهرات الذهبية، فإنهم يشاركون في المحطة الأخيرة لأسواق الأسهم والسلع المتداولة. فعندما يشتري أحدهم المنتجات والخدمات من شركة مدرجة في البورصة، فإنه يكون جزءًا من عالم التداول المشارك على المستوى الأساسي للأعمال التجارية للأسهم التي يتم تداولها.
باختصار، فإن التداول في أسواق المال الحديثة يعد تطور طبيعي للأسواق القديمة المباشرة. والمُضاربون اليوم في أسواق السلع والأسهم هم نتاج التطور التكنولوجي الذي حدث للبشرية.
السبب الثاني هو التسعير.
يمثل المُضاربون في أسواق المال جزء أساسي من النظام المالي. فالمُضاربون يصنعون أنظمة التداول التي توفر بدورها السيولة المالية للسوق. ومن خلال هذه السيولة المتوفرة داخل السوق يستطيع التجار وأصحاب البضائع حول العالم تسعير منتجاتهم. فمن خلال التداول المستمر تكون الأسعار معروفة ومحددة بشفافية طوال الوقت، مما يسمح بتنفيذ الصفقات التجارية بسرعة وسلاسة. فعندما يشتري أحدهم المنتجات والخدمات من شركة مدرجة في البورصة، فإنه يحصل على ما يريد بسهولة، لأن الأسعار تكون محددة سلفًا، وبدون الدخول في الكثير من عمليات الفصال من أجل إتمام الصفقات، كما كان يحدث في الماضي مع الأسواق المباشرة.
السبب الثالث هو إدارة الأموال.
قد يبدو لك أن إدارة الأموال الشخصية هي أمر سهل. ولكن الحقيقة هي أن الكثير من الأشخاص يجدون صعوبة شديدة في إعادة استثمار الجزء الفائض من أموالهم عن احتياجاتهم الشخصية.
لذلك يساعد مديرو الأموال المحترفون العديد من أصحاب رؤوس الأموال من خلال بطريقتين. الأولى هي تقديم النصح من خلال التقارير التي تقدم الارشادات حول الأوراق المالية المتوقع لها نمو جيد في المستقبل. أما الطريقة الثانية فهي إعادة تدوير هذه الأموال في أسواق المال من خلال صناديق الاستثمار والتحوط التي تبني محافظ ضخمة ومتوازنة من الأوراق المالية يمكنها تحقيق عائد مقبول مقارنة بمخاطر تقلبات السوق.
والقائمة تطول بالأسماء اللامعة في إدارة الأصول المالية من أمثال “ريتشارد دينيس” – “جيرالد آبيل” – ” بيتر لينيش” – “مارتن زويج” وغيرهم من عباقرة إدارة الأصول المالية.
السبب الرابع هو خدمة المجتمع.
كذلك فقد قدم الكثير من المُضاربين العديد من الخدمات للمجتمع. فقد أنشأ المُضاربون العديد من الجمعيات الخيرية لمساعدة الفقراء على التقدم في حياتهم. كذلك، يتبرع المتداولين الأغنياء بكثافة للحملات السياسية. ومن الأمثلة على ذلك، الأعمال الخيرية التي يقوم بها المُضارب المحترف “لاري وليامز” الذي يقدم عائدات بيع كتبه ومؤلفاته إلى منحة دراسية في جامعة أوريغون. ويجدر بنا أيضا أن نذكر المجهود الجبار الذي يقوم به المُضارب المحترف “تيموثي سايكس” Timothy Sykes في بناء المدارس داخل الدول الفقيرة والمناطق النائية حول العالم.
استمرار إلقاء اللوم من المجتمع على المضاربين في أسواق المال
ولكن رغم الدور الذي يلعبه المُضاربون في أسواق المال داخل المجتمع فإنه غالبا ما يتم إلقاء اللوم عليهم مرارًا وتكرارًا عندما تنهار الأسواق. فيقول عامة الناس “هؤلاء المُضاربون فقط هم الذين يدفعون أسواق المال للتراجع!” لكن لا يتم شكرهم أبدًا على إعادة الشراء أثناء انهيار السوق ووقف المزيد من الهبوط! يتم توجيه الاتهامات النارية للبائعين على المكشوف عدة مرات لأنهم تسببوا في هبوط السوق دون أن يفهموا أنه يتعين عليهم تغطية أو إعادة شراء مراكز البيع الخاصة بهم لاحقًا! وأن كل صفقة بيع يقابلها صفقة شراء.
يخاطر المُضاربون كل يوم ولا يوجد شيء مضمون في عملهم. ولو كان التداول في أسواق المال أمرًا سهل يؤدي للمكسب السريع، فلماذا لا يفعله الجميع؟
ضوء من التفاؤل
عزيزي مُضارب أسواق المال، إليك عدة أسباب للفخر بكونك تاجرًا:
- أنت لديك الشجاعة لتحمل مخاطر لن يتحملها سوى القليل من البشر.
- يجب أن يفخر المتداول بكونه رائد أعمال. فالتداول هو مجرد عمل مثل أي عمل آخر، إذا تم بشكل صحيح.
- بصفتك متداولًا في الأسهم، فأنت ترتفع فوق محيط العمل الوظيفي وتعمل على مستوى صاحب العمل التجاري الذي تتاجر بأسهمه.
- يمكن للمُضارب أن يربح من أرباح الشركة ومبيعاتها، بعيدًا عن الحياة الوظيفية ذات الرواتب المحدودة.
- المُضارب الناجح مثل النخبة من الرياضيين الذين يتفوقون على الآخرين في ميدان اللعب.
- يتحكم المُضارب في قراراته بنفسه، ويضع ماله حيث يرى ويريد.
- لقد دَخلت صناعة ذات قدرات ربحية تصاعدية غير محدودة.
- أنت على استعداد للتعرف على نقاط ضعفك النفسية وضبط النفس.
- أنت على استعداد للقيام بالعمل الذي يخافه معظم الناس.
- يعتقد الآخرون أنك مقامر لكنك تعلم أنك تصمم الكازينو الخاص بك.
- في عالم من المتحدثين، أنت فاعل.
- في عالم من المترددين، أنت المنجز للأعمال.
- في عالم من النقاد، أنت المبدع.