أليس من المنطقي يا صديقي عندما يخسر أحدهم المال في المضاربة داخل السوق أن يبتعد عن مجال التداول. فلماذا إذا يعود الكثير من الخاسرين إلى التداول من جديد؟ ولكي أوضح لك الفكرة دعني أحكي لك قصة صديقي أحمد.

أحمد هو شاب طموح في العشرين من عمره، كان يحلم دائمًا بالثراء السريع بعد أن قرأ الكثير عن قصص نجاح المتداولين الذين حققوا ثروات طائلة في وقت قياسي، أمثال نيكولاس دارفاس ولاري ويليامز. فقرر أحمد تجربة حظه في عالم التداول. وبدأ باستثمار مبلغ صغير من المال. وفي البداية حقق أحمد بعض الأرباح المعقولة التي شجعته على الاستمرار. لكن الحماس الزائد دفعه إلى المخاطرة بأموال أكثر مما يستطيع تحمله، وفي النهاية خسر رأس ماله.
بعد هذه التجربة المريرة، قرر أحمد الابتعاد عن التداول لفترة من الزمن، لكن الإغراء كان قويًا. فكرة تحقيق الثراء السريع ما زالت تراوده، فبدأ يتساءل؛ لماذا يعود الناس إلى التداول مرة أخرى بعد أن يتعرضوا إلى خسائر فادحة؟
تعتبر الأسواق المالية بمثابة مغناطيس الذي يجذب إليه الكثيرين، بغض النظر عن المخاطر التي تنطوي عليها. فبعد كل خسارة، نجد أن الكثيرين يعودون لخوض غمار التداول والمضاربة في أسواق المال مرة أخرى. ولكن ما الذي يدفع هؤلاء الأفراد إلى المخاطرة بأموالهم من جديد؟
علم النفس والأسباب الخمسة لتكرار التجارب الخاسرة
من وجهة نظر علماء النفس يا صديقي فإن البشر يعودون لتكرار نفس التجارب الخاسرة من جديد لخمسة أسباب رئيسية، وهي
السبب الأول هو الجهل ونقص المعرفة
فكثير من الأشخاص عندما يدخلون أسواق المال يقعون فريسة لما اسميه “متاهة التعليم”. حيث يقوم الشخص بتعلم الكثير والكثير عن مجال التحيل الفني لحركة الأسعار. فيبدأ بتعلم المدرسة الكلاسيكية من دعائم ومقاومات، وخطوط اتجاه، وانماط سعرية، وغيره. ثم يتجه بعد ذلك لتعلم مدرسة أخرى، مثلا مدرسة موجات اليوت، ثم مدرسة ثالثة ورابعة وهكذا حتى يجد نفسه داخل متاهة من العلوم التي لا تحقق له العائد الذي يبحث عنه.
والحقيقة هي أن هناك أربع أركان للتداول في أسواق المال. وهي
- ركن تحليل البيانات. وهذا يشمل التحليل الفني والأساسي
- ركن كفاءة الأسواق ودراسة عشوائية أسواق المال
- ركن إدارة المخاطر المالية
- ركن التحليل النفسي والسيكولوجي سواء للفرد أو للمجتمع
ومن خلال دراسة الأركان الأربعة مجتمعة يمكن لأي شخص تحقيق النجاح في أسواق المال. ولكن ما يحدث هو أن المتداول يركز على ركن واحد فقط ويهمل باقي الأركان، مما يعرضه لفقدان رأس مالة في النهاية. فيعود من جديد على أمل أن يفهم أن يتعلم سبب خسارته ويتجنبه في المرة التالية.
لذلك فإنني انصح كل شخص يريد النجاح في أسواق المال أن يدرس الأركان الأربعة وألا يصب تركيزه على ركن واحد ويهمل باقي الأركان وإلا فإنه لن يجد لنفسه مخرج من متاهة التعليم.
السبب الثاني هو عدم مرونة الأهداف
تختلف أسواق المال في طبيعتها عن الكثير اشكال الاستثمار الأخرى في ديناميكية الحركة. فأسواق المال لا تتوقف عن الحركة إلا في الإجازات الرسمية. إنها مفعمة بالحياة، وهي لا تعطي المتابع لها أي انطباع مؤكد عن حركتها التالية.
فمثلا يا صديقي قد تعتقد أن السوق يسير في حركة صاعدة لأنه يكون قمة أعلى من القمة السابقة وقاع أعلى من القاع السابق. ولكن فجأة يبدأ السوق في فقدان عزم الحركة الصاعدة ويبدأ في التمدد أفقيا أو أن يهبط بدون أي سابق انذار. فأنت لا تعرف على وجه التحديد في أي اتجاه ستكون الحركة القادمة. وكل ما تستطيع فعله هو تخمين الاتجاه القادم بدون أي يقين أو تأكيد على حدوثه.
لذلك فإن أفضل وسيلة للتعامل مع هذا التنين الضخم الذي لا يتوقف عن التواء ذهابا وإيابا هو أن تكون أنت مرن في تصوراتك عنه. وألا تضع له أهداف ثابته وحدده. بل أهداف مرنه ومتغيرة. وأفضل وسيلتين أعرفهم لتحقيق ذلك هما
- أسلوب الشبكات في إدارة المخاطر المالية
- أسلوب الوقف المتحرك
فهذان الأسلوبان يتمتعان بالمرونة في تحقيق الربح من خلال التكيف مع الحركة السعرية. لذلك فإنني انصح بهما وأفضلهما على الأسلوب الثابت في تحديد وقف الخسائر وأخذ الأرباح.
فعندما أقوم بتحليل أي رسم بياني وأقرر الدخول في صفقة فإنني استخدم أسلوب الشبكات من خلال نظام خبير يعمل بصورة اوتوماتيكية على إدارة الصفقة حتى النهاية.
السبب الثالث هو الرغبة في الانتقام من السوق
عندما يخسر متداول مبلغًا كبيرًا من المال في صفقة واحدة، أو سلسلة من الصفقات الخاسرة، فإنه يشعر بإحباط شديد وغضب عارم. قد يلوم نفسه، أو يلوم السوق، أو حتى يلوم عوامل خارجية مثل الأخبار أو التقلبات غير المتوقعة. في هذه اللحظة، قد يولد لديه شعور قوي بالانتقام، ورغبة ملحة في استعادة ما فقده. فيدفعه هذا الشعور إلى العودة إلى السوق مرة أخرى، ولكن هذه المرة بدافع الغضب والانتقام وليس العقلانية والتحليل.
إن الرغبة في الانتقام من الأسواق هي فخ كبير يقع فيه الكثير من المتداولين. فعندما يتحكم الغضب والعاطفة في قرارات المتداول، يصبح من الصعب اتخاذ قرارات استثمارية رشيدة. قد يتجاهل المتداولون التحليلات الفنية والأساسية، ويعتمدون على حدسهم أو نصائح الآخرين، مما يزيد من احتمالية تكبد خسائر أكبر.
الغضب هو عاطفة قوية يمكن أن تؤثر بشكل كبير على سلوك الإنسان، ولا سيما في مجال التداول في أسواق المال. عندما يتعرض المتداول لخسارة مالية، فإنه غالبًا ما يشعر بالغضب والإحباط، وهذه المشاعر قد تدفعه لاتخاذ قرارات متهورة وغير منطقية.
فعندما يغضب المتداول، يصبح تفكيره مشوشًا ويصعب عليه اتخاذ قرارات مدروسة. قد يتسرع في إغلاق صفقاته الرابحة خوفًا من خسارة المزيد، أو قد يفتح صفقات جديدة عالية المخاطرة في محاولة لاستعادة خسائره بسرعة. هذا السلوك العاطفي غالبًا ما يؤدي إلى خسائر أكبر وتفاقم الوضع المالي للمتداول.
ولتجنب تأثير الغضب على قرارات التداول، يجب على المتداولين تعلم كيفية التحكم في عواطفهم وتطوير استراتيجيات إدارة المخاطر الفعالة. يمكنهم تحقيق ذلك من خلال ثلاثة نصائح، وهي:
- وضع خطة تداول واضحة: يجب على كل متداول وضع خطة تداول مكتوبة تحدد أهدافه الاستثمارية ومستوى المخاطرة الذي يستطيع تحمله.
- الالتزام بخطة التداول: يجب على المتداولين الالتزام بخطة التداول وعدم الانحراف عنها حتى في حالة حدوث خسائر.
- التحلي بالصبر واليقظة: يجب على المتداولين التحلي بالصبر وعدم الاستعجال في تحقيق الأرباح، فالتداول الناجح يتطلب الصبر و الانضباط واليقظة.
إن الغضب يا صديقي هو عدو لدود للمتداول الناجح. يجب على المتداولين تعلم كيفية التعامل مع هذه العاطفة السلبية وتطوير استراتيجيات فعالة لإدارة المخاطر المالية. من خلال التحلي بالصبر والانضباط، يمكن للمتداولين تجنب اتخاذ قرارات متهورة وحماية أموالهم.
السبب الرابع هو اللوم وجلد الذات
يعتبر اللوم الذاتي وجلد الذات من الأمراض النفسية التي يعاني منها بعض المتداولون بعد تكبد خسائر مادية في أسواق المال بحيث يكون لها أثر نفسي. هذه المشاعر المرضية تؤثر سلبًا على أداء المتداول الذي يعاود الدخول في أسواق المال من أجل جلد ذاته وحتى يثبت ويؤكد لنفسه بأنه هو السبب في تكرار الأخطاء والخسائر.
عندما يخسر متداول مبلغًا من المال، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى اللوم الذاتي، معتقدًا أنه هو السبب الرئيسي في هذه الخسارة. وهذا يحدث بالأخص عندما يكون لهذه الخسائر بعد معنوي. مثل أن يكون مبلغ المال الذي تداول به كان ملك لفرد عزيز من أفراد عائلته، مثل أحد أبوية.
إن هذا اللوم الذاتي يؤدي إلى مجموعة من الآثار السلبية، منها:
- الشلل التحليلي: يصبح المتداول غير قادر على اتخاذ قرارات جديدة، خوفًا من تكرار نفس الخطأ.
- الخوف من المخاطرة: يتجنب المتداول المخاطرة تمامًا، مما يحد من فرص تحقيق الأرباح.
- تآكل الثقة بالنفس: يؤدي اللوم المستمر إلى تآكل ثقة المتداول بقدراته، مما يؤثر سلبًا على أدائه في المستقبل.
وفيما يلي سوف أحكي لك يا صديقي قصة قصيرة لصديقي أحمد الذي كان يعاني من لوم نفسه بسبب خسارته في أسواق المال، وكيف أن هذا اللوم لم يسبب له سوى المزيد من الخسائر.
أحمد، شاب في الثلاثين من عمره، بدأ الاستثمار في سوق الأسهم منذ عامين باستخدام أموال كان قد اقترضها من والدية ووعدهم بأن يعيد لهم الأموال عندما يحقق الربح من السوق. ولكن يبدوا أن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن. ففي البداية، حقق أحمد بعض الأرباح، مما شجعه على الاستثمار بمبلغ أكبر. ولكن، مع تذبذب السوق، خسر أحمد جزءًا كبيرًا من استثماراته. شعر باليأس والإحباط، وبدأ يلوم نفسه على اتخاذ القرارات الخاطئة، وكيف سيواجه والدية بالخسائر التي تكبدها بسبب ما وضع نفسه فيه.
لذلك قرر أحمد العودة من جديد. ليس بهدف الربح، ولكن ليثبت لنفسه بأنه هو سبب الخسارة الأولى.
ولكن كيف يمكن التغلب على اللوم الذاتي؟
لو كنت تعاني من لوم الذات يا صديقي فإن الخطوات التالية قد تساعدك
- قبول الخطأ: يجب على المتداول قبول أن الخسائر جزء لا يتجزأ من عملية الاستثمار، وأن الجميع يرتكبون أخطاء.
- تحليل الأخطاء: بدلاً من التركيز على اللوم الذاتي، يجب على المتداول تحليل الأخطاء بموضوعية وحيادية باستخدام العقل وبعيدا عن المشاعر ثم العمل على تصحيحها.
- وضع خطة للتعافي: يجب على المتداول وضع خطة واضحة للتعافي من الخسائر، فالتخطيط السليم هو نصف العمل.
- التركيز على التعلم: يجب على المتداول النظر إلى الخسائر كفرصة للتعلم والتطور، وليس كفشل شخصي. فالخسارة هي ثمن الدرس.
- البحث عن الدعم: يمكن للمتداول الاستفادة من الدعم الذي يقدمه المدربون والمرشدون الماليون، وكذلك من خلال الانضمام إلى مجتمعات التداول.
إن لوم الذات وجلد النفس هما عائقان كبيران أمام النجاح في التداول. ويجب على المتداولين تعلم كيفية التعامل مع هذه المشاعر السلبية وتحويلها إلى دافع للتعلم والتطور. من خلال قبول الأخطاء وتحليلها، يمكن للمتداولين تحسين أدائهم واتخاذ قرارات استثمارية أفضل في المستقبل.
كذلك فإنني انصحك دائما كما انصح نفسي بألا تتداول بأموال أنت وأسرتك في حاجة لها. ولا تتداول بأموال تقترضها من أشخاص عزيزين عليك مثل أبويك أو أقاربك أو أسرتك. فالتداول في أسواق المال هو مهنة يشوبها بعض المخاطر بفقدان رأس المال، والاقتراض من الآخرين بهدف التداول يؤدي لزيادة الضغط النفسي على المتداول وقد يعرضه للأمراض النفسية، ومنها جلد الذات وإدمان التداول.
السبب الخامس هو إدمان التداول
يعتبر التداول في أسواق المال وسيلة كثير من الناس لتحقيق الأرباح وتنمية ثرواتهم. ومع ذلك، قد يتحول هذا النشاط إلى إدمان حقيقي يؤثر سلبًا على حياة الفرد الاجتماعية ومستقبله المالي.
إن إدمان التداول هو حالة نفسية يشعر فيها الشخص برغبة قوية وملحة في التداول باستمرار، حتى لو كان ذلك يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة. إن هذا يشبه الإدمان على المخدرات أو الكحول، حيث يصبح الفرد مهووسًا بالنشاط ويجد صعوبة في التوقف عنه، رغم علمه بأنه يضر نفسه ومن يحيطون به. ومن الأسباب التي قد تؤدي على إدمان التداول:
- الإثارة والمخاطرة: يوفر التداول إحساسًا بالإثارة والمخاطرة الذي يبحث عنه بعض الأشخاص.
- الحاجة إلى التحكم: يشعر بعض المتداولين بأنهم يسيطرون على الوضع عندما يتخذون قرارات التداول، مما يعطيهم شعورًا بالسلطة والقوة.
- الخوف من الفشل: قد يدفع الخوف من الفشل بعض الأشخاص إلى التداول بشكل مفرط في محاولة لتحقيق النجاح.
- التأثير الاجتماعي: قد ينضم بعض الأشخاص إلى مجموعات تداول ويتأثرون بسلوك الآخرين، مما يدفعهم إلى التداول بشكل أكثر من اللازم.
ولكن هل يمكن أن يقلع المتداول عن إدمانه؟ … بالتأكيد نعم. وما يلي هي مجموعة من النصائح التي ربما تساعد على ذلك.
- الاعتراف بالمشكلة: الخطوة الأولى للتعافي هي الاعتراف بأن هناك مشكلة. فاعتراف مدمن التداول بمشكلته هو نص الطريق لحل المشكلة.
- طلب المساعدة: يجب على المدمن طلب المساعدة من أخصائي نفسي أو طبيب نفساني. وهنا يجب أن اشير إلى أن البعض يجد الحرج في استشارة طبيب نفسي، وهذا خطأ كبير. فالمرض النفسي مثل أي مرض آخر يحتاج لطبيب.
- تجنب محفزات التداول: يجب على المدمن تجنب كل ما يذكره بالتداول، مثل حسابات التداول ومنصات التداول. فالبعد عن سبب المشكلة يعالج جزء كبير من المشكلة.
- البحث عن هوايات جديدة: يمكن للمدمن البحث عن هوايات جديدة تساعده على تشتيت انتباهه. فهذه النقطة مهمة لتوليد عادات جديدة تساعده على التغلب على عادته السيئة القديمة، وتمنحه هدف جديد في الحياة.
- البحث عن دعم اجتماعي: يمكن للمدمن الحصول على الدعم من العائلة والأصدقاء أو الانضمام إلى مجموعات دعم. فنحن كبشر كائنات اجتماعية في الأساس ومعظم من يدمنون شيء ما يعانون من فقدان رابط الاتصال بالمجتمع الذي يحيط بهم. لذلك فإن البحث عن الدعم الاجتماعي يعتبر عنصر مهم للخروج من إدمان التداول.
إدمان التداول هو مشكلة خطيرة يمكن أن تدمر حياة الفرد. إذا كنت تعتقد أنك تعاني من إدمان التداول، فلا تتردد في طلب المساعدة. هناك العديد من الخيارات العلاجية المتاحة التي يمكن أن تساعدك على التغلب على هذا الإدمان والعودة إلى حياة طبيعية.
تلخيصا لكل ما سبق
إن أسواق المال هي عالم شاسع حيث يعود الكثير من المتداولين إلى الأسواق المالية بدافع الرغبة في تحقيق الأرباح وتعويض خسائرهم السابقة. ومع ذلك، يجب على هؤلاء الأفراد أن يكونوا على دراية بالمخاطر التي تنطوي عليها عملية التداول وأن يتخذوا قراراتهم الاستثمارية بوعي وحذر. من خلال التعليم المستمر ووضع خطة تداول سليمة وإدارة المخاطر بشكل فعال، يمكن للمتداولين زيادة فرص تحقيق أهدافهم الاستثمارية.
ولو أعجبك هذا المقال يا صديقي فإنني أدعوك لقراءة كتابي الصغير المتواضع: سيكولوجية مضارب – رحلة داخل نفسية المضاربين داخل أسواق المال
ولو كنت تبحث عن دورة تدريبية لتعلم التداول بصورة عام أو على الأخص، التداول في سوق العملات الدولية – فوركس، فإنني أدعوك لمشاهدة دورتي التدريبية على هذه المدونة: حسبة بيرما
وفي النهاية لا يسعني سوى أن أتمنى لكل كل التوفيق والنجاح في عالم أسواق المال.