قد يبدو من الظاهر أن إجابة هذا السؤال واضحة. فمجتمع البورصة ذكوري بطبعة. فوفقًا للبيانات التي جمعتها عن الجمهور الذي يتابع صفحتي على الفيسبوك – سابقًا – والتي كانت تحتوي على قرابة الستين ألف مشترك من المهتمين بأسواق المال. فإن أكثر من 89% من المتابعين للصفحة كانوا من الذكور، بينما لم تمثل النساء سوى 11% فقط. كذلك فإن 60% تقريبًا كانت أعمارهم تتراوح ما بين 25 إلى 45 عامًا، وهو السن الذي يسعى فيه الإنسان لكي يكون ثروة شخصية ليحقق طموحاته المادية في الحياة.

جون مارتينو، أول أمرأة تتداول في وول ستريت
كذلك، لو قمت ببناء قائمة بأسماء كبار المُضاربين والمستثمرين على مستوى العالم ستجد أن جميعهم تقريبًا من الذكور. فالأسماء النسائية التي أسست لنفسها مكان في عالم أسواق المال قليلة جدًا. ولو دققت البحث ستجد أن هذه القائمة النسائية النحيفة تكونت حديثًا. ففي العصور الأولى لأسواق المال لم يكن للمرأة أي دور يُذكَر. فوفقًا لما هو مُسجل، فإن ” جون مارتينو” June Martino والتي كانت تعمل في منصب السكرتيرة العامة لشركة ماكدونالدز McDonald’s Corporation كانت أول امرأة يُسمح لها بالتداول في بورصة نيويورك. وذلك كان عام 1966.

فوفقًا لما ذُكر على موقع ويكبيديا فإن “جون مارتينو” بدأت العمل مع “راي كروك” Ray Kroc – المدير التنفيذي الأول لشركة ماكدونالدز – سنة 1948 في وظيفة محاسب لمكتب كروك، وذلك قبل إنشاء شركة ماكدونالدز. وبعد أن تم انشاء الشركة لعبت دور كبير في التواصل وحل النزاعات بين فريق الإدارة العليا لشركة ماكدونالدز. كان كروك يقدر تمامًا الدور الرئيسي الذي لعبته مارتينو في الشركة، وإخلاصها في العمل لساعات طويلة مقابل أجر ضئيل في السنوات الأولى، فكافأها بمنحها حصة في الشركة.
وهكذا، عندما طُرحت أسهم ماكدونالدز للاكتتاب العام عام ١٩٦٥، حوّلت مارتينو 300 ألف دولار من حصتها إلى سيولة نقدية. وعندما أُدرجت ماكدونالدز في بورصة نيويورك في العام التالي، أصبحت مارتينو أول امرأة تَحضِر إلى قاعة مجلس إدارة بورصة نيويورك، التي كان جميع أعضائها من الرجال، منذ عهد الملكة إليزابيث.
لماذا وثق خبير الاستثمار “آدام خو” في قدرات زوجته؟
ولكن رغم حقيقة كون المُضاربة في أسواق المال والعمل فيها ذكوري بدرجة كبيرة، فإن علماء النفس ممن تخصصوا في البحث داخل هذا المجال لهم رأي مختلف. فعند التدقيق والبحث سنجد أن طبيعة المرأة في المُضاربة تختلف عن طبيعة الرجل. فوفقًا لما ذكره “د. ألكسندر الدر” Dr. Elder في كتابه Entries and Exits: Visits to Sixteen Trading Rooms فإن المرأة قد تكون أكثر قدرة على تحقيق الربح في أسواق المال من الرجل بسبب طبيعتها التي (1) تلتزم بالقواعد (2) تتجنب المخاطرة غير المحسوبة. هذا بشرط أن يتم تدريبها في قبل شخص محترف.
وفي تجربة طريفة قام بها المستثمر المحترف ” آدم خو” Adam Khoo حيث طلب من زوجته إدارة أحد حسابات العائلة عام ٢٠١٩ – وذلك مباشرةً بعد أن حضرت دورة الاستثمار التي يقدمها زوجها. فنجحت التجربة؛ حيث تفوّقت المحفظة التي تديرها زوجته على المؤشر العام للسوق في ذلك العام بعائد بلغ مقداره +47.5٪.

يقول “آدام خو” عن أسبابه في الاعتقاد بأن المرأة أفضل من الرجل في الاستثمار:
“أظهرت الأبحاث أن المستثمرات من النساء يتفوقن باستمرار على المستثمرين الذكور على المدى الطويل للأسباب التالية:
1) النساء أكثر صبراً ويتيحن الوقت الكافي لاستثماراتهن لتنمو وتتضاعف في القيمة. بينما يميل الرجال إلى أن يكونوا أقل صبرًا حيث إنهم يتاجرون بشكل متكرر، ويتصرفون بناءً على تقلبات السوق قصيرة الأجل. هذا يزيد من تكاليف العمولات ويقلل من عوائدهم على المدى الطويل.
2) النساء أكثر استعدادًا للتعلم قبل اتخاذ قرارات الاستثمار. بينما يميل الرجال إلى القفز إلى السوق وخسارة الكثير من المال قبل أن يدركوا أنهم يفتقرون إلى المعرفة اللازمة للاستثمار بنجاح.
3) يميل الرجال إلى الجني السريع للأرباح من الصفقات الرابحة مع التمسك بالصفقات الخاسرة – بينما تميل النساء إلى تجنب المُضاربة بطريقة “اليانصيب”. من المرجح أن يشتري الرجال أسهم المُضاربة منخفضة السعر التي تميل إلى الانفجار في نهاية المطاف.”
لاري وابنته ومسابقة أفضل مُضارب في العالم
وفي هذا أود أن أَحكي قصة طريفة، ففي عام 1987 استطاع المُضارب الأسطوري “لاري وليامز” Larry Williams الفوز بكأس العالم للتداول على العقود المستقبلية حيث حقق عائد بنسبة 11,000% عندما استطاع تحويل عشرة آلاف دولار إلى مليون ومئة ألف خلال عام واحد من التداول.

ولكن لاري لم يكتف بهذا الإنجاز الذي لم يسبقه له أحد من قبل. فبعد عامين من ذلك وعندما بلغت ابنته “ميشيل” التاسعة من عمرها، قام لاري بتعليم ابنته المُضاربة وقد أظهرت مهارة كبيرة في ذلك جعلتها تتقدم لنفس البطولة التي أنتصر بها والدها في عام 1997 – أي بعد فوز والدها بعشرة أعوام. وبالفعل فازت ميشيل بالبطولة، حيث حولت مبلغ 10,000 دولار إلى 100,000 دولار في عام واحد. أي حققت عائد سنوي على الاستثمار قدره 1000% وهو إنجاز لم يستطع أحد أن يتجاوزه حتى يومنا هذا. وبهذا يكون الأب وابنته قد سيطرا على هذه البطولة وحققا أرقامًا قياسية عالمية لم تُخترق بعد.
إن قصة لاري وميشيل وليامز هي مثال عملي لما أريد توضيحه هنا، وهو أن المرأة يمكنها النجاح في التداول داخل أسواق المال وسحق الكثير من الرجال، هذا فقط لو تدربت على يد محترف. ولو أردت أن تعرف أكثر عن لاري وليامز وأسراره في التداول فيمكنك قراءة كتاب “سر اختيار الأسهم لتحقيق مكاسب فورية وكبيرة“.
وفي الختام
ومن خلال قراءتي ودراستي لهذا الموضوع فإنني أستطيع أن ألخص صراع التفوق بين المرأة والرجل داخل أسواق المال في النقاط التالية:
- بصورة عامة، فإن النساء أقل جراءة وأكثر التزاما من الراجل. لذلك لو توافر لهم التعليم المناسب على يد مجموعة من الخبراء في التداول فإنهم سينجحون من خلال التطبيق المتكرر لاستراتيجيات هؤلاء الخبراء.
- يميل الرجال بصورة عامة للسباحة عكس التيار. وهذا يعرضهم للفشل المتكرر بسبب عدم الالتزام بالقواعد النمطية التي وضعها لهم معلميهم. ولكن قلة منهم قد تنجح في تحقيق الالتزام، أو حتى في ابتكار اسلوبها الخاص في التداول.
عزيزي القارئ، بهذا المقال أكون قد وضعت بين يديك إجابة منطقية – لحد ما – لهذا السؤال. وإن كان هذا يفتح الباب لسؤال آخر قد نجيب عنه في مقال جديد. هذا السؤال هو، أيهما أسهل تعليم الكبار أم الصغار؟ … فإلى لقاء في مقال آخر.