المقال الثالث الترتيب الخاص لمكتبه

كيف يعزل نفسه من التأثيرات السيئة

البيئة التي يقوم فيها چيسي لي‍ڤ‍رمور بعمله اليومي هي البيئة التي صَنَعها لنفسه. إنها ثمرة خبرته الطويلة في مجال تداول الأسهم.

“الجو العام” هو مصطلح معروف في وول ستريت، وعادة ما يتم استعماله للدلالة على الظروف النفسية الموجودة في شارع المال، ولكن على الأخص في مكاتب السمسرة حيث اعتاد أولئك الذين يشترون ويبيعون الأوراق المالية على التَجمُّع. يختلف جو العام لمكتب السمسرة باختلاف طبيعة العمل وعدد العملاء ومتوسط عقليتهم. هناك مكاتب صغيرة بها عدد قليل من ماكينات قراءة الأسعار والمعدات الأخرى، مسؤول العملاء، وشريك أو اثنين آخرين. يبدو وكأنه مكان هادئ. لكنهه ليس كذلك. يكاد يكون من المستحيل تقريبًا الحصول على فترة خمس عشرة دقيقة من التفكير دون مُقاطعة. فخلال جميع المحادثات، يتم تبادل سلسلة الأحاديث المعتادة من النصائح والقيل والقال بين السماسرة والعملاء. التركيز أمر غير وارد ما لم يتميز المرءُ بأن يكون أصم وأبكم. في المكاتب الكبيرة، ومع لوحات تسجيل الأسعار الكبيرة، تجد جمهور مكون من خمسة وعشرين أو خمسين عميلًا، يكون الجو أكثر توتراً بعشر مرات وأكثر استحالة من وجهة نظر المتداول المحترف. التجمعات الصغيرة حول شريط الأسعار المتدلي تشكل دوائر يتم فيها حِياكة الشائعات. يريد جَارَك في المقعد التالي دائمًا أن يخبرك بآماله ومخاوفه: ما يراه، ويسمعه، ويفكر فيه أو يعرفه.

لقد مر لي‍ڤ‍رمور بكل هذا. لفترة طويلة، بينما لم يكن يتمتع بمزايا الصمت والعزلة ولكن منذ سنوات عديدة، مارس المُضاربة من مكاتبه الخاصة حتى لا يتشتت انتباهه بسبب الضجيج الصاخب في غرفة العملاء.

تتم المسيرة الصباحية من منزله في المدينة إلى منزله الصيفي باستخدام سيارته الخاصة. فهو لا يستخدم أنفاق قطارات السكك الحديدية والمواصلات العامة. الكثير من أثرياء رجال المال والأعمال يفعلون ذلك ولكنهم لا يمتلكون أي أسباب خاصة تمنعهم من التواصل مع الآخرين في المواصلات العامة. ولكن لي‍ڤ‍رمور له أسبابه؛ فهو يعلم أنه لو اختلط بعامة الناس في طريقه لمكتبه فلابُدّ أن يتحول الموضوع لسوق الأوراق المالية، وسيضطر للاستماع للكثير من النصائح والإشاعات التي تتعارض مع اَراءه الخاصة. ولأنه يفضل اللعب منفردًا، فإنه يصل لأفكاره الخاصة ولا يرغب في أن يتم اعتراض أفكاره سواء في الصباح، الظهر، أو في المساء.

التزام وانضباط لا غنى عنه

واحدة من أكثر المؤهلات التي لا غنى عنها للمُضارب هي حالة الاتزان – تلك الحالة من التوازن العقلي التي تُمَكِنه من النظر إلى أي موقف بهدوء. ومن وجهة نظر غير منحازة وغير متأثرة بالآمال أو المخاوف. يمتلك لي‍ڤ‍رمور هذه الخاصية المرغوبة إلى درجة ملفتة للنظر – من الواضح أنه وُلِدَ بها وقد صَقَلَها منذ ذلك الحين.

أكثر ما يكره

أكثر ما يكرهه لي‍ڤ‍رمور هو التوصيات. يعرف الشخص الذي لديه خبرة صغيرة في وول ستريت عدد المرات التي يقرر فيها المرء التصرف في موقف بطريقة معينة. ومدى سهولة أن يغير الشخص المسار الذي رسمه لنفسه من خلال بعض الاقتراحات الخبيثة. منذ فترة طويلة، وبعد أن دَرَسَ ليڨرمور بعناية مفعول كل هذه المؤثرات، فقد تَعلَّم أن يحصل على أفضل النتائج من خلال استبعاد أي عنصر يؤدي لأدنى تَعارُض مع تشكيل حكمه القائم على الحقائق والأسباب السليمة والاستنتاجات المنطقية.

من بين الجهود التي بذلها لي‍ڤ‍رمور لتطوير نفسه أنه حصل على دراسات في علم النفس. أنا لا أقصد أنه كان يتأمل النواحي النفسية في وول ستريت؛ لقد حصل بالفعل على دراسات وأصبح طالبًا لعلم النفس، تمامًا كما تعمق في كل العوامل الأخرى التي ساعدته بدرجة ما في عمل حياته؛ فهو لم يكن هاوي.

أدواته المكتبية

وصل لي‍ڤ‍رمور إلى مكتبه، الذي يقع في أحد الطوابق العليا من ناطحة سحاب كبيرة في وسط المدينة. لا يوجد اسم على الباب. يتكون المكتب من غرفة استقبال ومكاتب خاصة لبعض مساعديه ومكتبه الخاص، مفصولة بأبواب دوارة عن غرفة الاجتماعات؛ وهي غرفة مستطيلة مع لوحة كتابة طويلة من السيليكات على أحد الجوانب وصف من النوافذ في الجانب المقابل. يتم عرض الأسعار على السبورة لثلاثين أو أربعين من الأسهم النشطة الرائدة. وعدد قليل من كل من العقود الآجلة النشطة في القطن، القمح، الذرة والشوفان. لوحة الاقتباس غير مُرَتَّبَةٍ حسب المألوف.

على عكس العرف السائد في شركات السمسرة، فإن التغيرات في الأسعار المعروضة لم تكن ترسَل في صورة تذاكر مطبوعة تحتوي فقط على الافتتاح، أعلى، أدنى وآخر سعر؛ بدلًا من ذلك، فإن كل سهم له عمود مستقل يمتد بطول السبورة بالكامل، وفيه يتم كتابة التغيرات المختلفة في الأسعار بالطباشير. لقد فضَّلَ لي‍ڤ‍رمور هذه الطريقة في الكتابة على السبورة لأنها تمنحه صورة خطية عن تأرجح الأسهم، وإلى أي مدى امتدت تصحيحاتها أو ارتداداتها السعرية، فضلًا عن نشاطها النسبيّ. لا يظهَر حجم التداول على السبورة؛ فهو يحصل عليه من شريط الأسعار.

ماكينات الأسعار الخاصة بالأسهم، القطن، الحبوب، والأخبار تقف أمام السبورة على بُعد عدة أقدام منها. وبهذا يمكنه قراءة الشريط على الضوء الموجود خَلفُه، وكل ما عليه أن يفعله هو رفع عينيه ليرى أي سهم على السبورة.

في الكثير من مكاتب السمسرة، ترى ماكينة أسعار منخفضة فوق طاولات مستديرة، يجتمع حول كل منها ثلاثة أو أربعة تجار. البعض منهم يمِد عنقه للأمام أو يقرأ شريط الأسعار بالمقلوب. لا يثق لي‍ڤ‍رمور في قراءة ماكينات الأسعار بهذا الشكل وهو لا يستخدمها إلا عندما يريد الجلوس على مكتبه الخاص لفترات قصيرة خلال الجلسة. فهناك لديه مجموعة منهم. أما للاستخدام العام فهو يريد أن تكون الماكينات مرتفعة بحيث تسمح له بالوقوف من أجل قراءتها. إنه يعتقد أن من بين العديد من العناصر التي مكنته من السيطرة على عمله، حقيقة أنه يستخدم ماكينات أسعار مرتفعة، لأنها تبقيه على قدميه في وضع منتصب بحيث يمكنه التنفس بشكل صحيح لا يعيق دورته الدموية. وهذا يتناقض مباشرة مع وضعية باقي المُضاربين الذين يجلسون القرفصاء بتكاسل بجانب ماكينة الأسعار المنخفضة. فهو يقف على قدميه عمليًا طوال اليوم. حتى اتصالاته التليفونية تتم أيضًا في وضع الوقوف. وبالتالي فهو يحصل على قدر جيد من الرياضة.

التشابه مع چيمس ر. كين

باستثناء سبورة عرض الأسعار؛ فإن الترتيبات الرئيسية في مكاتب ليڨرمور تشبه إلى حد كبير مكتب الراحل “چيمس ر. كين” James R. Keen. المُضارب البارز في سوق الأوراق المالية الذي كان لي شرف قضاء العديد من الساعات الممتعة في مكتبه الخاص. استخدم السيد “كين” أيضًا ماكينة مرتفعة لعرض الأسعار، ووقَفَ على قدميه أثناء جلسة السوق. كان يتنقل ذهابًا وإيابًا إلى الهاتف على بُعد أمتار قليلة، أو إلى الأكشاك في المكتب الخاص المجاور. عند عدم قراءة الشريط – وهي العملية التي بدت فيها عيناه الثاقبتان وكأنهما تثقُبان الأعضاء الحيوية للسوق – كان لدى السيد “كين” طريقة غريبة في التحرك ذهابًا وإيابًا من الشريط إلى الجنوب باتجاه الطرف الآخر من مكتبه وخلفه. كان يأخذ كل خطوة بصلابة ودقة، مصحوبة بتأرجح قبضته المشدودة، مُعرِبًا عن عزم شديد.

يبدو أنه كان يقرأ شريط الأسعار على فترات زمنية منتظمة، مع تحركه لعدد محدد من الخطوات كما هو موضح أعلاه. وهكذا، كان يقسم رؤيته لشريط الأسعار في ذهنه لسلسلة من الصور التي تومض الواحدة تلو الأخرى في خَيَاله، مع المشي لمسافات منتظمة تمثل فترات لهضم ما قد لاحظه. لقد أشَرْت سابقًا لقيمة وجود فواصل زمنية منتظمة في دراسة حركة السوق وكذلك السرعة التي يجب أن تحدُث بها.

في سياق حديثنا، كان السيد “كين” يقف في مواجهة ماكينة عرض الأسعار، وأنا كُنت أقف على الجانب المقابل. حاملًا نظارته الطبيَّة في يده اليمنى، كان يستمر في الحديث معي لفترة طويلة ليفسر آراءه، ثم تسقط عيناه على شريط الأسعار، وما أن تثبت عيناه على الشريط الورقي فإنني كُنت اَستمِر في الحديث معه ولكن كان يبدو وكأنه لا يسمع كلماتي. إن تركيزه المُنصَب على قراءة شريط الأسعار كان تام لدرجة أنه يفقد التركيز في كل شيء حوله. قد يخطو نحو الهاتف ويسأل “من يشتري بتلك الأسعار؟” أو “ما الذي يحدث في سهم “آر. بي. تي” R.B.T.؟ ثم يعود ويتأمل شريط الأسعار، ويأخذ عدد خطواته المحدد، وينهي عمليته العقلية، ثم يخرج من غيبوبته ويكمل الحديث من حيث توقف.

يشبه لي‍ڤ‍رمور “كين” في كثير من النواحي. الأهم من ذلك كله في عينيه، مع انخفاض الجفون قليلاً على الجانبين، ونظرته الثاقبة المماثلة. أنفه أيضًا مثل “كين” – بارز مثل الجسر. أترك الأمر للخبراء في علم الفراسة لمعرفة ما يعنيه ذلك بالضبط، لكنني أعلم أن لي‍ڤ‍رمور، مثل “كين”، حكيم للغاية، بارع، واسع الحيلة، يعتمد على ذاته، بعيد النظر، ويمتلك شجاعة أسد. حتى في أساليب عملهم أيضًا، أجِد العديد من نقاط التشابه، والتي سأشرح بعضًا منها في الفصول التالية.

قلة قليلة من الناس يمكنهم الوصول إلى لي‍ڤ‍رمور عبر الهاتف أو شخصيًا. إنه يتلقى بعض البريد، لكنه لا يجيب إلا قليلاً، فليس لديه وقت للمراسلات. السوق هو عمل الرجل. فالأشخاص الذين يراهم والرسائل التي يكتبها إما أن يكون لها علاقة وثيقة بالسوق وعملياته فيها، أو أنه لا يستطيع تكريس وقته لهم. إن هذا يتماشى مع ممارسته المتمثلة في استبعاد جميع الأشياء غير الضرورية.

كيف يُفسر الأخبار

لقد أوضحت من قبل أن تكوين حكمة لي‍ڤ‍رمور ينبع جزئيًا من تأملاته الصباحية المبكرة للأحداث الأساسية؛ لكن قراراته بشأن اختيار الأسهم والتوقيت المناسب للعمل تستند إلى ما يراه على الشريط. يلعب شريط الأخبار دوره دائمًا في إبقائه على اتصال بأحدث التطورات التي تومض عبر الأسلاك من جميع أنحاء العالم. يراقب هو ومساعدوه شريط الأخبار لأن تقريرًا معينًا أو فقرة أو سطرًا أو كلمة في بعض الأحيان سيكون لها تأثير مهم على مركزه في السوق. لكنه لا يقبل مثل هذه التصريحات بالبساطة الظاهرية التي يتقبلها بها عامة الجمهور. فهو يسعى لتفسير الوضع الحقيقي الذي تم الكشف عنه، أو الغرض الحقيقي من نشر هذه المواد. لا أحد يعرف أفضل منه أن السوق من صنع عقول الكثير من البشر؛ أن بعض هؤلاء الرجال أقوى من غيرهم، وأنهم بصفتهم لاعبين زملاء في هذه اللعبة الرائعة، غالبًا ما يسعون للتأثير على مشاعر العامة لحثهم على الشراء أو البيع من قبل الآخرين. إنه يقرأ ما بين السطور بحثًا عن مؤشرات لما يحاول “هؤلاء” القيام به.

في إحدى كتاباتي السابقة، وصفت وول ستريت على أنها نطاطة كبيرة تُصَب فيها، طوال اليوم، إمدادات مستمرة من الأخبار من كل نوع – السكك الحديدية، الصناعة، أرباح الشركات، تقارير الطقس، البنود المتعلقة بالخدمات المصرفية، المحاصيل وأسواق المال وواردات الذهب والتطورات العالمية وآلاف العناصر الأخرى التي تؤثر على أسواق الأسهم أو السندات أو السلع – وكلها تؤثر إلى حد ما على الوضع العام للأعمال. يفسر ليڨرمور هذه الأخبار بطريقتين: أولاً، يحكم على تأثيرها المباشر أو غير المباشر على السوق أو الأسهم الفردية. وبعد ذلك، يلاحظ على شريط الأسهم تأثير الأخبار – كيف تؤثر على شراء وبيع الأسهم الخاصة للسوق ككل. قد يكون تفسيره الخاص لبند إخباري مخالفًا تمامًا للتفسير الذي يُعبر عنه السوق، لكنه يعلم أنه إذا كان لتطور الخبر أهمية كافية، فسيُحدِث تأثيره. عاجلاً أم آجلاً، سيترك انطباعه على شريط الأسعار. لذلك فهو، يسعى لتوقع التوقيت الذي سيغير فيه المُضاربون الكبار الآخرون مواقعهم في السوق من أجل التكيف مع الوضع الجديد.

إذا أردنا اختصار أساليب چيسي لي‍ڤ‍رمور في كلمتين فسنقول “إنه يتوقع”.

الملخص

مما سبق نستنتج:

  • أن الصمت والعزلة ضروريان لتشكيل حكم واضح ومستقل. كما هو الحال في أي مجال عمل آخر، يجب على المرء أن يركز. يمكنك تحقيق التفكير والتخطيط والتنفيذ في هذا المجال على أفضل وجه بعيدًا عن مكتب السمسار الخاص بك.
  • الاتزان هو أحد العناصر المطلوبة.
  • تعد المعرفة بعلم النفس عنصرًا مهمًا لعقلية المُضارب.
  • ينبع صفاء الذهن من الحالة البدنية الجيدة ويلزم قدر معين من التمارين لذلك.
  • البصيرة، جنبًا إلى جنب مع التفسير الذكي للأخبار، ضرورية للغاية للأحداث الكبيرة التي ترتبط أحيانًا بأخبار هامشية صغيرة.
  • تأثير الأخبار هو مؤشر لطبيعة السوق، وموقف ذوي المصالح الكبيرة، وشرائهم وبيعهم.
  • المُضاربة بمعناها الحقيقي تدعو إلى التوقع.
  • يعكس الشريط عمليات ودوافع كبار المُضاربين والمطلعين.
  • الثروات الضخمة تصاحب الموجات طويلة المدى.

العودة إلى الفهرس

Scroll to Top