«إلى نينا»
هكذا أهدى المُضارب الأسطوري “چيسي لوريستون ليڤرمور ” Jesse Lauriston Livermore كتابه الأول والأخير لزوجته “هارييت ميتز نوبل” Harriet Metz Noble، والتي كان يُناديها بـ “نينا”، بعد أن اقترح عليه ابنه أن يوثق خبرته التي اكتسبها بين طرقات وول ستريت في كتاب لكي يكون شاهدًا على وجوده للأجيال القادمة.
بداية الطريق
ولِد چيسي ليڤرمور في 26 يوليو 1877، وتوفي في 28 نوفمبر 1940 عن عمر يناهز 63 عامًا. حيث عاش طفولته في مدينة “أكتون” Acton من ولاية “ماساتشوستس” Massachusetts مع عائلة فقيرة تسود فيها أجواء التفكك الأسري. وعلى الرغم من ذلك فقد اهتمت به والدته، فتعلم القراءة والكتابة عندما بلغ الثالثة والنصف من عمره، ثم ذهب للمدرسة، ولكن أباه أخرجه منها عندما بلغ الرابعة عشر لكي يساعده في أعمال الزراعة، وهنا تدخلت والدته ودبرت له الطريق للهروب من هذا المنزل بعيدًا.
أول صفقة
وفي عام 1891، وجد الصبي چيسي والذي بلغ الرابعة عشر من عمره، وظيفة ككاتب على لوحة الأسعار في فرع شركة “بين ويبر للسمسرة في الأسهم” Paine Webber Stock Brokerage الموجودة في مدينة “بوسطن” Boston ولاية “ماساتشوستس”.
وفي عام 1892 عندما بلغ الخامسة عشر، وبعد أن قضى عامًا واحدًا فقط في هذا المجال، قام بأول صفقة له في عالم التداول عندما وضع رهان بخمس دولارات على أسهم شركة “شيكاغو وبرلنغتون وسكة حديد كوينسي” Chicago, Burlington and Quincy Railroad في أحد مكاتب المراهنة على أسعار الأسهم التي كانت منتشرة في ذلك الوقت تحت اسم Bucket Shops، وقد ربح من صفقته الأولى تلك مبلغ 3.12 دولارًا محققًا عائد نسبته 62.4%، وهو عائد ممتاز بالنسبة لفتى يخطوا خطواته الأولى في عالم أسواق المال.
الفتى الغواص
في العام التالي 1893، كان الفتى چيسي يكسب 200 دولارًا في المتوسط كل أسبوع، مما دفعه لترك وظيفته في شركة السمسرة ليتفرغ كليًا للمُضاربة، وكان عمره وقتها 16 عامًا فقط. وقد ذاع صيته بين مكاتب المراهنة على الأسهم، حتى أطلقوا عليه لقب “الفتى الغواص” The Plunger Boy.
وعندما عاد لمنزل والدته حاملًا معه مبلغ 1,000 دولار، وبَختْهُ والدته وطلبت منه أن يتوقف عن المُقامرة ويجد لنفسه وظيفة ثابتة، ولكنه أصر على الاستمرار وأخبر والدته بأنه لا يقامر، ولكنه “يُضارب”.
خلال الفترة ما بين 1895 و1897 استطاع الفتى الغواص أن يجمع 10,000 آلاف دولار من مكاتب المراهنة على الأسهم في بوسطن، وهو ما أضطرهم لمنعه من المراهنة لديهم بسبب قدرته على تحقيق الربح المُستَمِر. فهذه المكاتب كانت قائمة على الرهانات الخاسرة للزبائن، فعندما يخسر الزبون يربح المكتب والعكس صحيح. بالتالي فإن وجود زبون ناجح باستمرار كان يشكل تهديدًا لهم. لذلك قرروا وضع اسمه في قائمة الممنوعين من التداول أو حتى الدخول من باب مكاتب المراهنة. ومن هنا بدأ الفتى الغواص في التسجيل بهوية مستعارة داخل هذه المكاتب، ولكنهم اكتشفوا أمره فطردوه من جديد بعد أن أصبح وجهه مألوفًا للكثير منهم. وهنا لجأ الفتى چيسي إلى حيلة ذكية، وهي استخدام شخص بديل يدخل قاعة المراهنة وينفذ ما يطلبه منه الفتى الغواص، ولكن المكاتب كشفت هذه الحيلة أيضًا، وطردته هو والبديل شر طرده حتى لا يعودا مرة أخرى.
من المراهنة للمُضاربة
في عام 1900 ترك چيسي مكاتب المراهنات وتوجهه إلى مدينة “نيويورك” New York للمُضاربة في سوق الأسهم بدلًا من المراهنة عليها في مكاتب المراهنة في بوسطن. وقد صادف قدومه أن السوق كان في اتجاه صاعد رئيسي مما مكنه من أن يحقق ثروة قدرها 50,000 دولار باستثمار قدره 10,000 دولار وذلك خلال خمسة أيام فقط! أي أنه قد حقق معدل عائد قدره 400%.
ثروة بالملايين
في عام 1901، استطاع ابن الأربع والعشرين عامًا أن يجني نصف مليون دولار من وول ستريت.
عندما هبط السوق في 1907، استغل الفتى الغواص هبوط السوق العنيف ليجني ثروة قدرها 1,000,000 دولار في يوم واحد من البيع على المكشوف، ومع ذلك، فإن استاذه، “چي بي مورجان” J. P. Morgan، الذي أنقذ بورصة نيويورك من الانهيار، قد طلب منه التوقف عن القيام بالمزيد من عمليات البيع على المكشوف حتى يتوقف باقي المُضاربين من الاقتداء بالفتى الغواص فيما يقوم به. وبالفعل وافق چيسي على هذا الطلب ثم عكس صفقاته من البيع على المكشوف للشراء حتى يستفيد من ارتداد السوق، وقد ساوت محصلة أرباح هذه العملية 3,000,000 دولار.
توصية الإفلاس
من هنا تحولت حياة چيسي ليڤرمور من الغنى إلى الثراء الفاحش. حيث قام بشراء يخت بقيمة 200,000 دولار، واشترى لنفسه عربة قطار خاصة ليذهب بها لبورصة شيكاغو لمتابعة أسعار السلع، هذا غير أنه اشترى شقة فارهة في الحي الراقي من نيويورك.
ولكن الرياح لا تأتي دائمًا بما تشتهي السفن، ففي عام 1908 استمع ليڤرمور لتوصية أحد الأشخاص بأن يشتري كميات من عقود القطن، ولكن هذا الشخص، وفي نفس الوقت، كان يبيع القطن على المكشوف ضد ليڤرمور، مما عرَّض الأخير للإفلاس. وقد تعلَّم ليڤرمور من هذه الصفقة ألا يستمع أبدًا للتوصيات مَهما بدت براقة من الخارج. وقد كان إفلاسه ثمنًا قاسيًا لهذا الدرس.
لقاء مع الرئيس
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، دخل ليڤرمور في صفقة سرية هدفها فرض حصار على سوق القطن بهدف رفع سعره لمستويات قياسية، وهو ما كان سيضُر بالاقتصاد الأمريكي، مما دفع رئيس الولايات المتحدة وقتها “وودرو ويلسون” Woodrow Wilson أن يستجيب لطلب وزير الزراعة في دعوة ليڤرمور للحضور للبيت الأبيض ومطالبته بالتوقف عن التلاعب بأسعار العقود في سوق القطن حتى لا تحدُث كارثة يمكن تجنبها. وبالفعل باع ليڤرمور كل ما يملكه من عقود في القطن وخرج بدون خسارة أو مكسب عند نقطة التعادل. بعد ذلك، عندما سأله الرئيس عن سبب حِصاره لسوق القطن قال “لأرى إذا كان بإمكاني، يا سيادة الرئيس”. لقد أراد أن يختبر قدرته في السيطرة على السوق!
الصفقة الكبرى
في عام 1929، وبسرية تامة، قام الفتى الغواص چيسي ليڤرمور ببيع كميات كبيرة من الأسهم. وبحلول الربيع كان قد باع على المكشوف أسهم بقيمة 6 ملايين دولار. وقد استعان في هذه الصفقة بـ 100 مكتب للسمسرة حتى يبقي ما يفعله خفِيًّا عن الأعين. وعندما حدث الكساد العظيم كانت أرباحه قد وصلت لقرابة الـ 100 مليون دولار. وهو ما يعد ثروة ضخمة فعلا حتى لو قارنّا ذلك بمعايير الزمن الحالي.
وقد كان من تبعات هذه الصفقة الضخمة كتابة مجموعة من المقالات في الصحف أطلقت عليه لقب “دُب وول ستريت العظيم” The Great Bear of Wall Street، وقد اتهمه عامة الناس بأنه المُسبب الرئيسي للكساد الكبير وانهيار سوق الأسهم، وتلقى عدة تهديدات بالقتل مما دفعه لتعيين حرس خاص من أجل حمايته هو وأسرته.
نهاية الطريق
على الرغم من نجاحات چيسي ليڤرمور في أسواق الأسهم والسلع لكن حياته الشخصية لم تكن كذلك. ومع ارتفاع حدة ووتيرة المشاكل الشخصية فإن الضغوط النفسية كان لها أثر سيء على قدرته العقلية. كذلك، فبعد انهيار سوق الأسهم في 1929، تم انشاء “هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية” U.S. Securities and Exchange Commission، والتي تهدف للحد من تلاعبات الأسواق. وفي عام 1934 أصدرت هذه الهيئة عدة قوانين كان لها تأثير كبير في الحد من قدرته على التداول في السوق.
ولأسباب غير معروفة، فقد الفتى الغواص معظم ثروته، مما اضطره في النهاية إلى إعلان إفلاسه عام 1934. ثم تم تعليق عضويته في “مجلس شيكاغو للتجارة” Chicago Board of Trade في 7 مارس 1934، وبهذا فقد قدرته أيضًا على التجارة في السلع.
وفي عام 1937، أضطر لدفع ضرائب بقيمة 800,000 دولار، وقد تصدَّر هذا الخبر الصحف الرسمية.
في عام 1939، وبعد أن أعلن إفلاسه وتم تعليق عضويته، افتتح شركة استشارات مالية من أجل بيع نظامه التقني للتداول، وألفَ كتابه الأول والأخير، الذي أهداه «إلى نينا».
هواياته
بالإضافة لوَلعه بالأشياء الثمينة وحُبه لحياة البذخ، فقد كان يهوى الصيد جدًا، وكان يمتلك يختًا خاصًا يخرج به في الكثير من رحلات الصيد. فقد كان يرى أن الصيد يساعده على صفاء الذهن. وقد سُجِل في عام 1937 أنه استطاع صيد سمكة “أبوسيف” تزن 220.4 كيلوجرام.
زوجات الفتى الغواص
تزوج چيسي ليڤرمور ثلاث مرات. ففي عام 1900، وبعد فترة تعارف قصيرة، تزوج ليڤرمور من “نيت جوردان” Nettie Jordan. وبعد عام من زواجه، تعرض ليڤرمور لضربة قوية في السوق، فطلب منها رهن مجموعة كبيرة من المجوهرات التي كان قد اشتراها لها، للحصول على المال حتى يستطيع العودة للتداول من جيد. ولكنها رفضت ذلك، مما أضر بعلاقتهما، وقد انفصلا بعدها بفترة وجيزة، ولكن الطلاق النهائي حدث عام 1917.
بعد طلاقه بعامِ وفي ديسمبر 1918، تزوج ليڤرمور للمرة الثانية من فتاة استعراضية اسمها “دوروثي فوكس ويندت” Dorothy Fox Wendt والتي كانت تعمل كفتاة راقصة في أحد عروض مسارح “برودواي” Broadway.
عندما تزوج للمرة الثانية كان قد بلغ الأربعين من عمره، بينما كانت زوجته “دوروثي” بنت الثانية والعشرين عامًا. وقد أنجب منها طفلين وهما، “چيسي ليڤرمور الثاني” Jesse Livermore II و “بول ليڤرمور” Paul. وقد اشترى لهم منزل كبير في الحي الراقي “جريت نِك” Great Neck، وأعطى زوجته الحق في شراء ما تشاء من الأثاث والتحف.
ومع الوقت بدأ زواجه الثاني يفقد بريقه بسبب إدمان زوجته على الخمور وتصرفاتها السيئة. وفي عام 1931 تقدمت زوجته “دوروثي” للمحكمة بطلب للطلاق، وتركت منزل الزوجية لتتخذ لنفسها مسكن مع حبيبها الجديد. وفي 1932 حصلت على حكم الطلاق، وتزوجت فورًا من حبيبها.
حكمت المحكمة لـ “دوروثي” بتسوية قدرها عشرة ملايين دولار من ضمنها منزلهم في جريت نِك، وقد باعت هذا المنزل بمبلغ 222,000 دولار فقط، علمًا بأن هذا المنزل قد كلف ليڤرمور 3,500,000 دولار. ثم قامت بإهدار نصيبها من ثروة ليڤرمور على الخمور والحياة المُرفهة التي اعتادت عليها حتى أفلست. وكان ذلك أحد الإحباطات القاسية في حياة چيسي ليڤرمور.
في عام 1932 أراد الفتى الغواص أن يجرب حظه في الزواج للمرة الثالثة، فتزوج من الأرملة الشابة “هارييت ميتز نوبل” وكان يناديها بـ “نينا”. وكان عمره وقتها 56 عامًا وهي كانت بعمر 38 عامًا.
تزوجت “نينا” مرتين قبل زواجها من چيسي ليڤرمور. زوجها الأول “آرثر وارين نوبل” Arthur Warren Noble قد انتحر شنقًا في عام 1930 بعد أن فقد كل ثروته في الكساد العظيم عام 1929. أما زوجها الثاني “وليام شنور” William Schnorr فقد حصلت على حكم المحكمة بالطلاق منه بسبب الإيذاء الجسدي.
انتحار الدُب العظيم
تعرض چيسي ليڤرمور في السنوات الأخيرة من حياته للعديد من الضغوط سواء على مستوى حياته العائلية وما صاحَبها من تقلبات وضياع جزء من ثروته على يد زوجته الثانية السكيرة، أو على المستوى المهني من إعلان إفلاسه وتعليق عضويته في بورصة السلع وغيرها من الأحداث المحبطة. كل هذا أصابه في النهاية بالاكتئاب وعدم الرغبة في الحياة.
وفي عيد الشكر، يوم الخميس، 28 نوفمبر 1940، قرر الفتى الغواص أن ينهي حياته، فأطلق النار على نفسه داخل حجرة الملابس في “فندق شيري نذرلاند” The Sherry-Netherland hotel في ولاية “مانهاتن” Manhattan. وقد وجد البوليس معه في مُفكرته رسالة من ثماني صفحات صغيرة مكتوب فيها رسالة لزوجته يقول فيها:
“عزيزتي نينا:
لا يمكنني مساعدتك. لقد كانت الأمور سيئة معي. لقد سئمتُ من القتال. لا يمكنني الاستمرار أكثر من ذلك. هذا هو المَخرج الوحيد. أنا لا أستحق حبك. أنا فاشل. أنا آسف حقًا، لكن هذا هو المَخرج الوحيد بالنسبة لي.
حبيبك لوري”
كتب ومؤلفات
في عام 1922 قامت “مجلة وول ستريت” Wall Street Magazine بنشر سلسلة من المقالات كتبها الصحفي اللامع “ريتشارد د. ويكوف” تلخص ما دار في لقائه مع الفتى الغواص.
خلال الفترة ما بين 1922 و1923 قام الصحفي والكاتب الروائي “إدوين لوفيڤر” Edwin Lefèvre بنشر سلسلة من أثني عشر مقال تتحدث عن حياة ومغامرات چيسي ليڤرمور في وول ستريت، ولكن تحت أسم مستعار، في “مجلة بريد مساء السبت” The Saturday Evening Post Magazine. وفي عام 1925 تم جمع هذه المقالات وطباعتها كرواية تحت عنوان “مُذكرات مُضارب” Reminiscences of a Stock Operator. والتي كان لها أثر كبير في شهرة چيسي ليڤرمور كمُضارب محترف، حيث يشير إليها بعض النقاد كأفضل رواية كُتِبت عن أسواق المال.
في عام 1939، اقترح ليڤرمور الأبن على أبيه أن يؤلف كتاب عن المُضاربة يجمع فيه خبرته عن أسواق المال. وقد استجاب الأب وألف كتابه الأول والأخير “كيف تُضارب في الأسهم” How to Trade in Stocks، سنة 1940، ولكن للأسف، فالكتاب مبيعاته لم تكن جيدة، فالكتاب ظهر اثناء الحرب العالمية الثانية حيث كان الاهتمام بأسواق المال ضئيل. ولأن چيسي ليڤرمور كان يميل لتحليل حركة الأسعار على دراسة القوائم المالية للشركات فإن أساليبه كانت تُعتبر غريبة بالنسبة لوقت نشر الكتاب، لهذا لم يلق الكتاب استحسان النقاد بعد نشره.
بعد أن توفي چيسي ليڤرمور قام العديد من الباحثين والكتاب على إعادة إحياء سيرته الذاتية من خلال العشرات من المؤلفات التي حاولت البحث والتنقيب عن أسراره في التداول. ومن بين هذه الكتب
Jesse Livermore – Speculator King, by Paul Sarnoff, 1985
Jesse Livermore: The World’s Greatest Stock Trader by Richard Smitten, 2001
Trade Like Jesse Livermore, by Richard Smitten, 2004
Lessons from the Greatest Stock Traders of All Time, by John Boik, 2004
How Legendary Traders Made Millions, by John Boik, 2006
The Secret of Livermore: Analyzing the Market Key System, by Andras Nagy, 2007
Jesse Livermore – Boy Plunger, by Tom Rubython, 2014
ومن أكثر الكتب التي كان يُفضل چيسي ليڤرمور قراءتها كتاب
“الأوهام الشعبية الرائعة وجنون العامة”، تأليف ” تشارلز ماكاي”، 1841
Extraordinary Popular Delusions and the Madness of Crowds, by Charles Mackay, 1841