عند قراءة كتاب چيسي ليڤرمور سنجد أنه يحتوي الكثير من الخبرات في مجال المُضاربة في أسواق المال. وقد ضرب لنا ليڤرمور في نهاية الكتاب أمثلة من صفقاته الحقيقية ليثبت صدق وواقعية أسلوبه في التداول. وفي الصفحات التالية سنحاول إعادة صياغة طريقة ليڤرمور في صورة خريطة ذهنية منظمة ومُرتبة ليسهُل على القارئ فهم ما أراده ليڤرمور والاستفادة منه.
ذكر ليڤرمور أن أسلوبه في التداول يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية، وهي:
وفي الصفحات التالية سنحاول جمع وتنظيم الدروس المستفادة من هذا الكتاب في ضوء المحاور الثلاثة بحيث يَسهُل على القارئ تنظيم أفكاره حول طريقة ليڤرمور في المُضاربة. ومن وجهة نظرنا فإن جمع وتلخيص الأفكار التي اعتمد عليها ليڤرمور سيكون مفيد جدًا في استبعاد الكثير من الأفكار التي تمت نسبتها إليه من قبل الكثير من الكتاب الذين قاموا بتأليف كتب عنه في السنوات الأخيرة دون الرجوع للمصادر الأساسية.
أولًا الجانب السيكولوجي
المُضاربة مهنة
يرى ليڤرمور أن المُضاربة مهنة مثل الطب والمحاماة وغيرها من المهن أو الأعمال التجارية التي تتطلب بذل الوقت والجهد من أجل دراستها، تطبيقها واكتساب الخبرات منها. حيث أن عدم استيعاب هذا المبدأ تحديدًا يرتبط بالعديد من المشاكل الأخرى لدى عامة المُضاربين، ومن أهمها، مشكلة الطمع، الاستعجال والكسل. وفيما يلي سنتكلم عن كل منهم بإيجاز.
مشكلة الطمع
في مجالات الاستثمار المباشر، عندما ينشئ أحدهم متجر أو مصنع، فإنه لا يتوقع الكثير من الأرباح في بداية ممارسة النشاط التجاري، ولكن عندما يدخل نفس الشخص لعالم المُضاربة في الأسهم فإنه يتوقع تحقيق أرقام فلكية من البداية وكأن أسواق المال مغارة علي بابا وهو خطأ فادح ومكلف. فأسواق المال، مثلها مثل أي مجال آخر، قد تحقق المكسب أو الخسارة، والمُضارب الناجح يسعى في النهاية لكي تكون مكاسبه أكبر من خسائره.
مشكلة الاستعجال
يرتبط المكسب الضخم في أذهان العامة بأن يحدث في أقل وقت ممكن، فمعظم الناس تَدخُل مجال التداول آملين في تحقيق ثروات طائلة في وقت قياسي، وهذا أمر غير واقعي. قد وضّح لنا ليڤرمور في كتابه لأكثر من مرة كيف كان الصبر حليفه في النجاح، لأن المُضارب المحترف يبني نجاحه على حركة السوق، وبالتالي فإن عليه أن يصبر حتى يتضح الاتجاه العام للسوق ثم يأتي بعد ذلك دوره في المُضاربة مع هذا الاتجاه.
مشكلة الكسل
من أهم الأمور التي طالب بها ليڤرمور قراءه هو أن لا يتكاسلوا في الاحتفاظ بسجلاتهم الخاصة لحركة الأسعار. فالمُضارب الناجح من وجهة نظره هو من يُعِد سجلاته بنفسه، ولا يوكّل هذه المهمة لأي شخص آخر.
كذلك فالمُضارب الناجح يتابع السوق بنفسه، ولا يسمح لأحد بأن يدير أمواله نيابة عنه.
الصدق مع النفس
يرى ليڤرمور أن الصدق مع النفس صفة أساسية للنجاح في أسواق المال. هذه الصفة تتطلب المواجهة المستمرة مع النفس حتى يعتاد الشخص عليها. وقد قدَّم لنا ليڤرمور مثال رائع على ذلك، ففي الفصل السادس قدَّم لنا الفتى الغواص شرح كامل ومُفصل لواحدة من صفقاته الخاسرة وما ارتكبه من أخطاء كَلَّفته ضياع قرابة المليون دولار من بين يديه. فالفتى الغواص، الذي بنى الثروات من المُضاربة في أسواق الأسهم والسلع والذي قضى قرابة الخمسين عامًا بين طرقات وول ستريت لم يخشى الحديث عن خسائره وأخطاءه بمنتهى الأمانة والشفافية وقد خصص فصل كامل من كتابه لذلك، شرح فيه بالتفصيل صفقته الخاسرة والأسباب وراء ذلك، وهو ما يُعتَبر مثال يحتذى به في الصدق مع النفس والشجاعة في ذلك.
التعليم المستمر
عندما يؤمن الشخص بأن المُضاربة مهنة أو مشروع تجاري فإنه سيدرك أهمية تعلم قواعد العمل في هذه المهنة. وقد شرح لنا ليڤرمور مرارًا كيف أنه كان يقضي الكثير من الوقت في تسجيل أفكاره عن المُضاربة، والتي كانت توقظه في منتصف الليل، ثم يقوم بعد ذلك باختبارها حتى يتأكد من جدواها.
كذلك فقد كان ليڤرمور صبور في ذلك، فقد أدرك أن الكثير من هذه الأفكار كانت لتنتهي إلى لا شيء، ولكنه استمر في تدوين أفكاره واختبارها، لأنه أدرك أن البعض منها سيُثمِر في النهاية.
الصبر
يرى ليڤرمور أن صفة الصبر هي أحد أهم اركان النجاح في المُضاربة. فأسواق المال تتحرك في ثلاث اتجاهات، وهي الاتجاه الصاعد، الاتجاه الهابط والاتجاه العرضيّ، وبالتالي فإن المُضارب قد يخطئ ثلثي الوقت لو تَسَرَع في توقع اتجاه السوق القادم، لذلك فإن عليه بالصبر حتى يقوم السوق بحركته الأولى ثم يأتي دور المُضارب في الاستجابة لهذه الحركة السعرية.
كذلك فإن هناك أوقات للمُضاربة وأوقات للترقب والانتظار، فالمُضارب لن يستمر في المُضاربة كل يوم وكل أسبوع مع توقع تحقيق الربح في كل مرة.
يرى ليڤرمور أن الكثير من بيوت السمسرة تسعى لحث المُضاربين عن دون قصد للإفراط في المتاجرة، وهو أمر سيء لو تحول لصفة عند المُضارب الذي قد يقرر فجأة شراء أو بيع أحد الأسهم لمجرد أن أصابه الملل من كثرة الانتظار.
التصالح مع النفس
كان ليڤرمور شخص متصالح مع نفسه، فرغم خبرته الطويلة في أسواق المال، لكنه كان يرتكب نفس الأخطاء التي يحذرنا منها. لماذا؟ لأنه ببساطة شديدة إنسان قد يصاب بالضعف في أي وقت. فقد يفقد صبره ويتعجل حركة السوق لمجرد أنه شعر بالملل، أو يخترق أحد القواعد التي وضعها لنفسه مسبقًا. ولكن في النهاية فهو يمتاز بالتصالح مع النفس والاعتراف بالخطأ ومواجهته. اَعتَقِد أن هذا هام جدًا للنجاح في أسواق المال.
التوازن العاطفي
يرى ليڤرمور أن المُضاربة تحمل الكثير من المشاعر مثل الخوف، الطمع، الأمل والغضب. وإن السماح لهذه المشاعر بالسيطرة على قرارات المُضارب بالبيع أو الشراء قد يكون لها أثر سيء على حساب التداول الخاص به. فالمُضارب الناجح يجب أن يتحلى بالتوازن العاطفي حتى يستطيع السيطرة على قراراته وأفعاله، فلا يضطر لجني الأرباح سريعًا أو إلى الإبقاء على المراكز الخاسرة أكثر مما يجب.
سيكولوجية التلاعب بالألفاظ
كان ليڤرمور يهتم كثيرًا بالجانب السيكولوجي وتأثير الألفاظ والعبارات على الحالة المِزَاجية للمتداول؛ لذلك كان يُطلق على الاتجاه العام الرئيسي للحركة السعرية اسم “الاتجاه قليل المقاومة” The Line of Low Resistance كبديل لكلمتي “دُبيّ أو ثيرانيّ” Bullish or Bearish المشهورتين. والسبب في ذلك هو اعتقاده بان هاتان الكلمتان مبالغ فيهما أكثر من اللازم، وأن هذه المبالغة لها تأثير سلبي على نفسية المُضارب، خصوصًا عندما تَظهر إشارات الخطر مع نهاية الاتجاه. فمثلًا، لو أن الاتجاه العام كان صاعد والمُضارب يستخدم كثيرًا كلمة “ثيرانيّ” في كلامه ثم حدث أن ظهرت أحد إشارات الخطر التي تُنذِر بإن الاتجاه الصاعد في نهايته، فإن المُضارب قد يتجاهل الإشارة لأن عقله الباطن يقول له بأن السوق “ثيرانيّ”. لذلك فمن الأفضل استعمال تعبير “الاتجاه قليل المقاومة” لأنه لا يدل على المُطلق، فرغم أن هناك اتجاه ولكن مازالت هناك مقاومة حتى ولو كانت ضعيفة.
ثانيًا التوقيت
يرى ليڤرمور أن المُضارب يجب أن يمتلك أكثر من طريقة أو دليل لدخول السوق، لأنه لا يوجد طريقة مثالية تحقق النجاح بنسبة مئة بالمئة، فكل الدلائل والنظريات بها عيوب.
وقد ذكر لنا ثلاثة طرق رئيسية اعتمد عليها في انتقاء الأوراق المالية التي ضارب عليها. هذه الطرق الثلاثة هي:
- الشراء عند القمم الجديدة والبيع المكشوف عند القيعان الجديدة
- المُضاربة على النقاط المحورية
- المُضاربة في الأوراق المالية المُتشابهة
الشراء عند القمم الجديدة والبيع المكشوف عند القيعان الجديدة
يرى ليڤرمور أن وصول السهم إلى قِمَة جديدة يعني تخلصه من المقاومات السابقة مما يفتح الطريق أمامه لمواصلة الارتفاع لأعلى، بالتالي فإن القمم الجديدة بالنسبة له تُعتَبر فرصة جيدة للمُضاربة.
كذلك فهبوط السهم لقاع جديد يعني اختراق السهم لمناطق الدعم السابقة وبالتالي استعداده للمزيد من السقوط الحر، مما يجعله فرصة جيدة للبيع على المكشوف.
موضة الأسهم القيادية
تُعتَبَر المُضاربة على الأسهم القيادية أحد أهم استراتيجيات ليڤرمور في المُضاربة. فمن وجهة نظر چيسي ليڨرمور، فإن المُضارب الناجح عليه أن يركز اهتمامه وأمواله لمتابعة الأسهم القيادية داخل كل من قطاعات السوق المختلفة، وبهذا فهو يضمن الحصول على أفضل ما في هذه القطاعات من حركة سعرية. وعليه أن يبتعد عن الأسهم المهمشة، ضعيفة الحركة.
ولكن على الرغم من إيمان ليڤرمور بهذه النظرية فإنه يطلب من المُضارب أن يتوخى الحذر لأن هؤلاء القادة يتم تبديلهم من فترة لأخرى. فمن كان في المقدمة أمس قد لا يبقى اليوم في الصدارة، لذلك فعلى المُضارب مراقبة التغيرات التي تحدُث في الأسهم القيادية بعناية من فترة لأخرى، فالموضوع أشبه بالموضة في الأزياء والملابس، فما هو شائع اليوم ويحظى على اعجاب الجميع قد لا يكون كذلك غدًا.
التركيز على القادة
يؤمن ليڤرمور بمبدأ التركيز في المُضاربة. فمن وجهة نظره فإن تركيز المُضارب على عدد محدود من الأسهم والقطاعات أفضل من متابعة كل الأسهم في السوق. فيكفي المُضارب تحليل الحركة السعرية لأفضل سهمين في الأربع قطاعات البارزة من السوق، ثم يتبع القائد منهم.
ضارب على النقاط المحورية
انحاز ليڤرمور كثيرًا لفكرة التداول على ما اسماه “النقاط المحورية”. وعند البحث في كل الأمثلة التي ذكَرَها في كتابه سنكتشف أن هذه النقاط المحورية هي ما يطلَق عليه اليوم “الأرقام المقربة” Rounded Numbers، والمقصود هنا هو أن تتحرك الأسعار بالقرب من أرقام تنتهي بأصفار، سواء صفر واحد (10 – 20 – 30 … الخ.)، أو صفرين (100 – 200 – 300 … الخ.) أو أكثر. وكلما زاد عدد الأصفار كلما زادت أهمية الرقم المُقرب.
تكتسب الأرقام المُقربة أهميتها من تأثيرها النفسي، لذلك يطلَق عليها أيضًا اِسمَ “الحواجز النفسية” Psychological Barriers أو “المستويات النفسية” Psychological Levels، حيث تمثل هذه المستويات حاجز نفسي داخلي يؤثر على قرارات جموع المُضاربين في السوق.
فمثلًا، بفرض أن السعر الحالي لأونصة الذهب هو 1985.5 دولار، وأن الحركة السعرية للذهب في اتجاه صاعد رئيسي، فإننا سنجد أن سعر 2,000 دولار للأونصة يمثل حاجز نفسي لدى معظم المُضاربين، والكثير منهم سيترقب ويَنتَظر وصول سعر الذهب لهذه المنطقة، وإذا تم بالفعل كسر هذا الرقم فإن إحساس الترقب سيزول ويحل محله نوع من الطمأنينة بأن الاتجاه الصاعد الرئيسي مُستمر في حركته التصاعدية، مما يدفعهم لاستكمال عمليات الشراء وبالتالي المزيد من الصعود.
ولكن لو كان اختراق منطقة 2,000 دولار ضعيف، فإن المُضاربين سيصيبهم الخوف والقلق من هبوط سعر الذهب، مما سيدفع البعض منهم للبيع فإذا استجاب الذهب للحركة البيعية الجديدة ينتهي الاتجاه الصاعد الرئيسي السابق.
إذا فالأرقام المقربة هي حواجز نفسية باختراقها قد تستمر الحركة السعرية في اتجاهها الرئيسي، ومقاومتها قد تؤدي لانعكاس الحركة السعرية.
وكما نرى من خلال الكتاب فإن ليڤرمور قد أبدى اهتمامًا شديدًا بهذه الأرقام المقربة أو النقاط المحورية، فهي وسيلة سهلة وبسيطة لا تحتاج لأي حسابات معقدة يمكن لأي شخص متابعتها سواء كان متخصص أم لا؛ كذلك فهي فعالة لأن وراء فكرتها منطق عملي سليم.
المُضاربة في الأوراق المالية المتشابهة
أحد الإستراتيجيات التي وضحها ليڤرمور في الفصل السابع من كتابه هي “المُضاربة في الأوراق المالية المتشابهة” أو ما يمكن تسميته مجازًا “المُضاربة الشقيقة” Sister Trading، وذلك عندما ضارب على العقود الآجلة لكل من القمح والشيلم معًا.
تعتمد فكرة المُضاربة الشقيقة على اختيار ورقتين ماليتين تربطهم علاقة طردية أو عكسية في الحركة السعرية ومن الناحية الأساسية أيضًا. مثل المُضاربة على العقود الآجلة لكل من الذهب والفضة، أو المُضاربة على أسهم كل من شركتي آبل ومايكروسوفت لصناعات الكمبيوتر.
اِعتمد ليڤرمور في بناء صفقاته على أن تكون الحركة السعرية لكل من الورقتين الماليتين مترابطة بصورة ما، بحيث ترتفع وتنخفض أسعار كلا الورقتين بوتيرة واحدة، ولكن ما أن يُلاحظ ليڤرمور أن درجة الارتباط بين الورقتين انخفضت فإنه يعتبر ذلك إشارة خطر يجب عليه التصرف وِفقًا لها، وفورًا.
كذلك فقد اهتم ليڤرمور بعنصر حجم التداول عند استخدامه لخطة المُضاربة الشقيقة. حيث لاحظ أن حجم تداول الشيلم يقل كثيرًا عن القمح، وبالتالي فإن التأثير على سوق الشيلم ورفع سعره لأعلى أسهل بكثير من التأثير على سوق القمح.
أنصت لحدسك
آمَنَ ليڤرمور كثيرًا بفكرة الحدس أو أن هناك حاسة خاصة تم تطويرها عبر سنين طويلة من العمل في أسواق المال. فبالنسبة إلى ليڤرمور فإن هذا الحدس كان بمثابة راية الانطلاق أو صفارة الإنذار في كثير من صفقاته في وول ستريت.
كيفية الحركة السعرية أهم من سببها
على عكس الكثير من المُضاربين فإن ليڤرمور كان يهتم بكيفية حدوث الحركة السعرية على حساب أسباب حدوثِها. لذلك فقط أعطى أولوية كبيرة لشريط الأسعار، وقد أكد مرارًا وتكرارًا على ضرورة أن يحتفظ المُضارب بسجلات سعرية يكتبها بنفسه وألا يوكّل هذه المهمة لأي شخص آخر. كذلك اهتم بتحديد الاتجاه الرئيسي لحركة الأسعار، واهتم بطبيعة الحركة السعرية.
إن هذا الأسلوب كان مُناقض لما هو مُنتشر بين المُضاربين وقتها من اهتمام كبير بالأخبار الاقتصادية، أو دراسة ميزانيات الشركات المساهمة، أو بالتوصيات التي تأتي من مكاتب السمسرة على اعتبار أنها معلومات مؤكدة يمكن الاعتماد عليها. فبينما كان معظم المُضاربين يبحثون عن السبب وراء الحركة السعرية فإن ليڤرمور أهتم بالحركة السعرية ذاتها من خلال قراءة شريط الأسعار للسهم بدلًا من المتابعة السطحية لأخبار السهم في الصحف وما يدور حوله من اشاعات في بيوت السمسرة.
أحكام السوق فردية لا جماعية
من وجهة نظر ليڤرمور فإن مجموعات أو قطاعات الأسهم تتحرك بصورة مستقلة عن بعضها البعض، وبالتالي فعلى المُضارب ألا يُعمم حكمه الذي اتخذه بالنسبة لمجموعة معينة من الأسهم على باقي المجموعات. فإذا اشترى المُضارب مثلا أسهم في قطاع السيارات لأنه في اتجاه رئيسي صاعد، وبعد فترة ظهرت علامات ضعف في هذا القطاع، فعلى المُضارب ألا يبني تصور بأن ضعف قطاع السيارات يعني ضعف السوق ككل – هذا خطأ – بل يجب أن يتحلى بالصبر وأن ينتظر ظهور علامات الضعف على باقي القطاعات قبل الحكم عليها.
مُتابعة الاتجاه الرئيسي
أطلق ليڤرمور على الاتجاه الرئيسي للحركة السعرية اِسم “الاتجاه الأقل مقاومة” The Line of Least Resistance، ومن وجهة نظره فإن تسجيل حركة الأسعار من أجل تحديد هذا الاتجاه هي الأهم على الإطلاق. فعندما تتحرك الأسعار في اتجاه صاعد مثلا ثم تأتي أخبار سلبية فإن حركة الأسعار قد تتجاهل أثر هذه الأخبار السلبية وتمتصها ثم تستمر في الصعود.
كذلك فإن الاتجاه الرئيسي لحركة الأسعار لا يعطي أي أهمية لرأي المُضارب الشخصي فيه، لهذا، فعلى المُضارب أن يضع رأيه الشخصيُّ على الهامش ويهتم بمتابعة وتسجيل الاتجاه الرئيسي نفسهُ. فكما يقول ليڤرمور “الأسواق لا تخطئ أبدًا – ولكن آرائنا غالبًا ما تخطئ”.
اِتباع الاتجاه العام الرئيسي في البيع والشراء
إذا كان الاتجاه العام الرئيسي صاعد ثم دخل السهم في حركة تصحيحية، فإن ليڤرمور كان ينتظر عودة السهم للصعود من حركته التصحيحية قبل اتخاذ قرار الشراء.
وعلى العكس، فإذا كان اتجاه السهم الرئيسي هابط ثم ارتدت الأسعار لأعلى في حركة قصيرة المدى، فإن الفتى الغواص كان ينتظر عودة الأسعار للانخفاض قبل أن يقوم ببيعه على المكشوف.
وبالتالي فإن أسلوب ليڤرمور كان يتجاهل الحركات قصيرة المدى ويُركِّز فقط على الاتجاه العام الرئيسي.
هذا الأسلوب قد يبدوا غير منطقي بالنسبة للمُضارب العادي لأنه يتجاهل الاستفادة من موجات التصحيح قصيرة المدى في الاتجاه الصاعد وموجات الصعود قصيرة المدى في الاتجاه الهابط، ولكن ليڤرمور قد تعلم أن يضع كل تركيزه على الاتجاه العام للأسعار ومن أجل ذلك فإن عليه أن يضحي ببعض النقاط القادمة من الحركات السعرية قصيرة المدى.
كذلك فإن ليڤرمور قد تعلم من خلال تجاربه في أسواق المال أن الاتجاه العام الرئيسي الأقل مقاومة يحتاج لبعض الوقت لكي يعلن نهايته. فمثلًا لو كان الاتجاه العام صاعد لعدة أسابيع أو شهور فإن ذلك الصعود لن ينتهي في يوم وليلة، بل سيحتاج بعض الوقت وبعض الدلائل حتى يُعلن عن رحيله، وهذا ما يعطي ليڤرمور وقت كافِ للتصرف في صفقاته.
هل استخدم ليڤرمور وقف الخسائر وأخذ الأرباح؟
في جميع الأمثلة التي ذكرها ليڤرمور في كتابه لم يتم ذكر مستويات وقف الخسائر وأخذ الأرباح كما نعرفها اليوم. فقد اعتمد ليڤرمور في تحديد الاستمرارية في صفقاته على طبيعة الحركة السعرية للورقة المالية، أو ما أطلق عليه شخصية السهم. ويمكننا أن نوضح أسلوبه في النقاط التالية:
1.كان ليڤرمور يدرس الحركة السعرية للورقة المالية قبل الدخول فيها، ويحدد الاتجاه الرئيسي، وحجم التصحيحات أو الارتدادات التي تدفع بالأسعار بعيدًا عن الاتجاه الرئيسي.
2. يدخل ليڤرمور صفقته بالتدريج حتى يتأكد من أن الصفقة تسير في مسارها الصحيح.
3. يستمر في متابعة الحركة السعرية للورقة المالية التي يحتفظ بها طالما أنها مازالت تسير في نفس الاتجاه الرئيسي وطالما أن حجم التصحيحات أو الارتدادات ما زال في مداه الطبيعي.
4. بمجرد أن يحدث أي تغيير في الاتجاه الرئيسي وعدم حفاظ الورقة المالية على طبيعتها الحركية السابقة، فإن ليڤرمور كان يتخذ قرار الخروج فورًا – وليس بالتدريج كما فعل عند الدخول.
إشارات الخطر
اِعتمد أسلوب ليڤرمور في التداول كثيرًا على الحدس والمراقبة المستمرة للأوراق المالية وطبيعة حركتها السعرية، فإذا شعر بأن الحركة السعرية خرجت عن نطاقها الطبيعي، كان يخرج بسرعة من الصفقة وبدون تردد.
إن اتباع هذا الأسلوب كان له ميزتين:
الأولى، هي الحفاظ على رأس المال المُضارب من تقلبات الأوراق المالية.
الثانية، هي اتاحة الفرصة لمعاودة المحاولة من جديد.
ولكن يعاب على هذا الأسلوب أنه يحتاج للكثير من الانضباط النفسي الشديد، حتى يسيطر المُضارب على نفسه عندما تصبح أمواله على المحك.
شخصية السهم والخروج من الصفقة
يرى ليڤرمور أن الأسهم لها شخصيات مثل البشر، فالبعض منها متقلب وعصبي في حركته، والبعض الآخر صريح وواضح. ووظيفة المُضارب الماهر هي التعرف على شخصية الأسهم التي يتداول عليها واستغلال ذلك لمصلحته. ففهم طبيعة الحركة السعرية للورقة المالية المتداول عليها مهم بالنسبة إلى ليڤرمور من أجل تحديد موعد الخروج من الصفقة. فبعد أن يدخل ليڤرمور أي صفقة كان يتابع حركة الورقة المالية ليقَيّم ما إذا كانت الحركة السعرية بما تحمله من تصحيحات أو ارتدادات كانت تسير في مسارها الطبيعي أم لا. وطالما أن الحركة طبيعية فإنه يستمر في صفقته مع المراقبة الجيدة. وعندما تبدأ الحركة السعرية في التغيير عن المعتاد لها، يتخذ ليڤرمور قراره بالخروج من الورقة المالية.
رفض فكرة الشراء من أجل الاحتفاظ
رفض ليڤرمور فكرة “الشراء من أجل الاحتفاظ” Buy and Hold ومن وجهة نظره فإن من يقوم بهذا يُعتبر من أسوأ المُقامرين لأنه يغامر بكل شيء. وذلك لأن ضمان حفاظ الشركات على أدائها الجيد مما ينعكس على قيمتها السوقية يُعتبر أمر مستحيل. فما كان يُعتبر سهم جيد في الماضي قد لا يستمر على نفس المنوال في المستقبل. لذلك فإن فكرة شراء السهم مع عدم اتخاذ أي إجراءات للحماية من تقلبات السوق لا تُعتبَر فكرة جيدة.
رفض فكرة شراء الأسهم الرخيصة وبيع الأسهم الباهظة الثمن
رفض ليڤرمور فكرة بيع السهم لمجرد أنه ارتفع لمسافة بعيدة، فمن يدري، ربما يرتفع أكثر. كذلك فقد رفض فكرة شراء السهم لمجرد أنه أصبح رخيص السعر، فربما يستمر هكذا لفترة طويلة جدًا.
لا تتبع التوصيات
كان ليڤرمور يرى أن تحقيق المُضارب للأرباح اعتمادًا على فكره وذاته يكسبه نوع من الرضى والهدوء النفسي، وذلك لأنه يتحكم في زمام الأمور. ولكن للأسف فإن قلة قليلة هي من تقوم بذلك، والسبب هو أن معظم الناس لا تأخذ التداول في أسواق المال على محمل الجد، فقد يكون الشخص حاد الذكاء أو خبير في عمله ولكن عندما يأتي للمُضاربة في سوق الأسهم أو السلع فإنه يفقد مهارته ويتحول لرجل متسرع أحمق يبحث عن توصيات سريعة من هنا أو هناك، وعندما يخسر أمواله يبدأ في إلقاء اللوم على من حوله، رغم أنه هو من تسبب في الخسارة لأنه لم يتعامل مع المُضاربة كمهنة تحتاج منه للوقت والمجهود.
لا تتبع المستثمرين الداخليين
من وجهة نظر ليڨرمور، فإن المستثمرين الداخليين الذين يمتلكون حصص كبيرة من الأسهم ويجلسون على مقاعد مجالس إدارة الشركات هم أسوأ من يُعطِك نصيحة بالشراء، لماذا؟ لأنهم مُنحازون تمامًا لشركاتهم ولشركائهم في مجلس الإدارة. فلو جلست مع أحدهم فإنه سيؤكد لك أن شركته تحقق طفرة في المبيعات، وأن مستقبل الشركة صاعد وواعد. ولكن بعد أن تشتري الأسهم بُناء على توصيتهم ثم ترى الهبوط أمام عينيك فإنهم يبدؤون في طمأنتك بأن كل شيء على ما يرام، وأن الأمور ستتحسن قريبًا، وهو ما لا يحدث أبدًا.
التحليل الفني والرسومات البيانية
لم يستخدم ليڤرمور “الرسومات البيانية” Charts لتوضيح حركة الأسعار. فهو من الطراز القديم الذي كان يسجل حركة الأسعار في سجلات ثم يتخيل تلك الحركة في رأسه. فقد كان يرى أن ذلك يعطيه إحساس أفضل بالحركة السعرية وفهم أعمق لها.
قواعد أسواق المال تتغير
بعد الكساد العظيم الذي حدث في عام 1929، تم تدشين “هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية” والتي أصدرت الكثير من القوانين التي حدت من قدرة ليڤرمور على التداول، لهذا فقد أشار الفتى الغواص في كتابه ولأكثر من مرة إلى أن مستقبل المُضاربة في أسواق المال مختلف عن الماضي، وإلى أن الأيام التي كان يمكن فيها للمُضارب أن يشتري ملايين الأسهم ثم يبيعها محققًا ثروة كبيرة قد ولت إلى غير رجعة. وإلى أن مُضاربي المستقبل لن يستطيعوا تقليد ما كان يفعله، ولكنهم سيحققون ثرواتهم الخاصة.
ثالثًا إدارة المخاطر المالية
اِهتم ليڤرمور كثيرًا بهذا الجانب من خطته في التداول، فقد كان حريصًا على ألا يخسر المال بسبب الاستهتار في تسجيل الصفقات، وقد اعتمد على عدة مبادئ رئيسية سنذكرها فيما يلي.
أضف للمراكز الكسبانة
“التدرج الإيجابي” Positive Progression، وهو أحد أساليب إدارة الصفقات في أسواق المال، حيث يدخل المُضارب صفقته الأولى بعقد حجمه صغير وهو ما يعرف “بالعقد الأولي” Initial Contract، ولو أظهرت صفقته الأولى ربح فإنه يدخل الصفقة الثانية بعقد حجمه أكبر من السابق، ولو أظهر إجمالي ما سبق من صفقات المزيد من الأرباح فإنه يدخل العقد التالي بحجم أكبر.
وفقًا إلى الكاتب “ريتشارد سميتن” – الذي قام بأبحاث مُستفيضة حول چيسي ليڤرمور – فإن الفتى الغواص كان يّقسِم رأس مال أي صفقة ينوى الدخول فيها إلى أربع أجزاء بنسبة (20% – 20% – 20% – 40%). فإذا وصلت حركة الأسعار للنقطة التي يرى أن من عندها الدخول فإنه كان يدخل بأول 20% من رأس مال الصفقة، فإذا تحركت الأسعار في مسارها الصحيح بحيث أظهرت أول صفقة ربح فإنه كان يدخل بثاني 20% من رأس مال الصفقة، فإذا استمرت الأسعار على نفس التقدم وأظهرت المزيد من الأرباح فإنه كان يدخل بالجزء الثالث من رأس مال الصفقة، ولو استمر التقدم السعري فإن الفتى الغواص يدخل بآخر جزء وهو 40% من رأس مال الصفقة. بذلك يكون قد دخل بكامل رأس مال الصفقة وأصبح كل ما عليه فعله هو مراقبة حركة الأسعار وتقدمها في مسارها الطبيعي حتى تظهر إشارات الخطر وتبدأ حركة الأسعار في اتخاذ شكل غير مألوف، وهنا يقوم الفتى الغواص بالخروج من الورقة المالية مرة واحدة – وليس بالتدريج كما فَعَل عند الدخول.
على الرغم من أنه لا يوجد، فيما كَتَبه ليڨرمور، ما يشير لاستخدامه نسب محددة لتقسيم رأس مال الصفقة – كما ذكر الكاتب “ريتشارد سميتن” – لكن المؤكد هو أن ليڤرمور اعتمد على أسلوب التدرج الإيجابي في اتخاذ الصفقات. وقد كان هدفه الرئيسي هو التأكد من أن صفقته تسير من البداية مع اتجاه الأسعار الرئيسي الأقل مقاومة.
لا تضف للمراكز الخسرانة
“التدرج السلبي” Negative Progression، هو أحد أساليب إدارة الصفقات في أسواق المال، حيث يدخل المُضارب صفقته الأولى بعقد حجمه صغير وهو ما يُعرَف بالعقد الأولي، ولو أظهرت صفقته الأولى خسارة فإنه يدخل الصفقة الثانية بعقد حجمه أكبر من السابق، ولو أظهر إجمالي ما سبق من صفقات المزيد من الخسائر فإنه يدخل العقد التالي بحجم أكبر، ويستمر المُضارب على هذا المنوال حتى يرتد السوق فيعوضه عن خسائره السابقة.
لم يكن ليڤرمور مقتنعًا بفكرة التدرج السلبي في المُضاربة، ويعود ذلك لسببين:
الأول، هو أنه من غير المنطقي – من وجهة نظره – تغطية الصفقة الخاسرة بصفقة أكبر حجمًا، فهذا أشبه بالعِناد مع السوق، والتصرف الصحيح عند الخسارة هو الابتعاد عن السوق.
الثاني، هو أن هذا النوع من استراتيجيات إدارة المخاطر يتطلب قدر كبير من رأس المال لفتح صفقات جديدة وتعويض خسائر الصفقات السابقة.
عدم الإفراط في التداول
كان ليڤرمور متحفظ في صفقاته، فكان يرى أن المُضارب الناجح هو من يقضي معظم الوقت في مراقبة حركة الأسعار قبل الدخول في أي صفقة. وكان يرى أن إفراط الكثير من المُضاربين في التداول يأتي من المبالغة في توقع الأرباح، فهم لا يشعرون بالرضى أبدًا.
تحويل الأرباح من ورقية لحقيقية
آمَنَ ليڤرمور بأهمية أن يقوم المُضارب الناجح من فترة لأخرى بسحب أرباحه من عجلة التداول داخل أسواق المال؛ فالأرباح التي يجنيها المُضارب حقًا هي تلك التي يسحبها من السوق. وعندما يحول المُضارب أرباحه الورقية إلى عملات نقدية يمكنه حملها وعدها بين أصابعه، فإن هذا يُكسِبه الإحساس بأنها حقيقية، وهو إحساس سيكولوجي هام في عالم التداول حيث تدور الثروات بين سجلات المتداولين بدون أن يلمسها أحد. لذلك فعلى المُضارب أن يمتلك حساب مصرفيٌّ يدَّخر فيه كل فترة جزء من غنائمه التي جناها من معركة التداول.
وقد حدد ليڤرمور قاعدة بسيطة لذلك؛ فيجب على المُضارب في كل مرة يبرم فيها صفقة ناجحة أن يسحب نِصف أرباحه ويضعها في صندوق ودائع آمن. فالأموال الوحيدة التي يتحصل عليها المُضاربون من وول ستريت هي الأموال التي يسحبونها من أرصدتهم بعد إغلاق صفقة ناجحة.
لا يوجد مال سهل
هذا ما كتبه الفتى الغواص مرارًا وتكرارًا. فأسواق المال تبدو من الخارج وكأنها كنز يداعب أحلام البسطاء، ولكن الحقيقة هي أنها أبعد من هذا بكثير. فأسواق المال أشبه بآلة ضخمة تنقل الأموال من جيوب بسطاء العقول، الكسالى، وراغبي الثراء السريع، إلى من يتعاملون معها بحرفية على أنها مهنة تتطلب الكثير من التعلم والخبرات.