هل تكره هوليود وول ستريت

سؤال يطرح نفسه في رأسي مع كل فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني اشاهده وتدور أحداثه على طرقات شارع المال. لماذا تصور لنا هوليود الأحداث السلبية فقط في وول ستريت؟ لماذا تُسلط السينما أضوائها على الشخصيات الشريرة فقط في مجتمع أسواق المال وتتجنب الشخصيات الأسطورية من أمثال نيكولاس دارڤاس أو جيسي ليڤرمور. ألم تكن قصص حياة هؤلاء الأشخاص أولى بأن تكون بطولات لأفلام سينمائية ومسلسلات درامية.

ولكي ابرهن لك عزيزي القارئ على أن أسواق المال بها العشرات من القصص الملهمة، فأسمح لي أن احكي لك بعض منها لكي تحكم بنفسك.

قصة حياة غواص أسواق المال جيسي ليڤرمور

بصفتي باحثاً في أروقة “وول ستريت” التاريخية، لا أجد شخصية تجسد دراما الأسواق مثل جيسي ليڤرمور. لقد الهمت قصة حياة ليڤرمور الصحفيين ليكتبوا عنه في المجلات والصحف اليومية، وكأنه أحد نجوم السينما. وقد كتب مدير تحرير وول ستريت جورنال – ريتشارد وايكوف سلسلة مكونة من ثماني مقالات عنه. بعد ذلك قام الروائي “أدوين لوفيڤر” بتأليف روايته المشهورة “مذكرات مُضارب” Reminiscences of a Stock Operator، والتي جعلت من ليڤرمور اسطورة التداول حتى يومنا هذا.

ولد ليڤرمور عام 1877 في مزرعة فقيرة بولاية ماساتشوستس الأمريكية، حيث هرب من قسوة والده الذي أراد إجباره على الفلاحة وهو في الرابعة عشرة، متجهاً إلى بوسطن بخمسة دولارات فقط قدمتها له والدته. بدأ حياته المهنية صبياً يكتب الأسعار بالطباشير على لوحة عرض الأسعار في مكتب الوساطة، وهناك اكتشف شغفه الذي طغى على كل جوانب حياته، فأنطلق في رحلة مثيرة ليحقق منها ثروة مهولة.

في عام 1900 تزوج ليڤرمور من زوجته الأولى. فاشترى لزوجته كمية كبيرة من المجوهرات كتعبير عن حبه لها. وعندما بلغ الرابعة والعشرون كان قد جنى ثروة قدرها نصف مليون دولار عام 1901. ولكن هذه الثروة لم تدم طويلا وتعرض لضربة قوية في السوق، فطلب من زوجته بيع مجوهراتها للحصول على المال حتى يستطيع العودة للتداول من جديد، ولكنها رفضت. وقد أضر هذا الحادث بعلاقتهما، فانفصلا عن بعضهما البعض بعد ذلك بفترة وجيزة، لكن الطلاق الرسمي تم عام 1917.

في عام 1907 استغل ليڤرمور ضعف السوق وحقق ثروة كبيرة من هبوط السوق الأمريكي للأسهم. ومن هنا تحولت حياته وبدأ يصرف ببذخ. فاشترى يخت قيمته 200 ألف دولار، واشترى عربة قطار خاصة لكي يذهب بها إلى بورصة شيكاغو لمتابعة أسعار السلع.

يبدو أن المال والشهرة تجذب النساء. لذلك فإن حياة ليڤرمور كانت مليئة بالنساء. فقد تزوج ليڤرمور عام 1918 للمرة الثانية من “دوروثي” التي أنجب منها ابنيه “جيسي جونيور” و”بول”. ولكن يبدو أن حظه عاثر مع النساء على عكس حظه في التداول. فكانت حياته مع زوجته الثانية غير موفقة، وانتهت بالطلاق بسبب تصرفات زوجته الطائشة وادمانها للخمر. وقد اثرت هذه الزيجة عليه كثيرًا.

ولكن الفتى الغواص لا يعرف اليأس. فقد حاول بناء حياة اسرية من جديد للمرة الثالثة، فتزوج من “هاريت مينز” عام 1932. والتي أحبها بشده وكان يناديها بـ “نينا”. وقد اهداها الكتاب الوحيد الذي ألفه عن أسواق المال.

حقق ليڤرمور ثروات طائلة، ولكنها لم تدوم. فكل مرة كان يصل فيها لذروة النجاح ثم يفقد ثروته ليعاود البدء من جديد. وهناك العديد من القصص المشهورة عن مغامراته في وول ستريت حتى أطلقت عليه الصحف لقب “الفتى الغواص” أو “الفتى المُقامر” The Plunger Boy. ولعل أشهر مغامراته عندما باع على المكشوف في قبل انفجار فقاعة سوق الأسهم سنة 1929 ليخرج من ازمة الكساد العظيم بـ 100 مليون دولار من الأرباح، وهو رقم كبير حتى في يومنا هذا.

كان لأسواق المال تأثيراً مدمرًا على صحة ليڤرمور النفسية، إذ عاش حياة “الأرجوحة” بين الثراء الفاحش والإفلاس المذل لأربع مرات، مما أصابه باكتئاب حاد ومزمن. في عام 1940، وبعد أن فقد قدرته على قراءة إيقاع السوق وتدهورت علاقاته بأبنائه، استسلم ليڤرمور لليأس؛ فدخل أحد الفنادق، وكتب رسالة اعتذار لزوجته الثالثة يصف فيها نفسه بالفاشل، ثم أطلق النار على نفسه.

حكاية المُضارب الراقص نيكولاس دارڤاس

كان نيكولاس دارڤاس راقص مسرحي مشهور، وقد تعرف على أسواق المال صدفة، عندما عُرض عليه تقديم عرض راقص على أحد المسارح مقابل الحصول على أسهم كأجر بدلا من النقود. وبسبب انشغاله بعروضه الأخرى لم يستطع تقديم هذا العرض، ولكنه شعر بالأحراج، فقام بشراء الأسهم من أصحاب المسرح. وبعد شهور قصيرة تضاعف سعر السهم، فباع دارڨاس، وحقق ثروة صغيرة. وهو ما أثار حماسته لدخول عالم التداول والمُضاربة في أسواق الأسهم.

في البداية كان دارڤاس جاهل بأسواق المال، لدرجة أنه لم يكن يعرف أن هناك بورصة في نيويورك! فكان يُضارب في بورصة كندا. وقد ارتكب في بداياته كل الأخطاء التي قد يقع بها أي مبتدئ. حيث قام بالتداول بناء على توصيات الأصدقاء وفشل. ثم قام بالتداول بناء على رأي من يسميهم الناس بخبراء أسواق المال، ولكنه أيضًا فشل. كان يفرط في التداول ويشتري كل ما يقال له بدون وعي، حتى اكتشف أن الرابح الحقيقي من كل صفقاته هو سمسار التداول الذي يجني عمولات كبيرة من وراء تهوره.

وهنا توقف دارڤاس، وقرر أن يخرج من المتاهة التي يدور فيها. وأن يعتمد على الأسلوب العلمي الصحيح، ولا يشتري الأسهم إلا بناء على تحليل مالي سليم. فتعلم التحليل المالي، وكان يقرأ الكثير من الكتب حتى يتسلح بالمعرفة المطلوبة للنجاح في أسواق المال ولكي يكون قراره من نفسه. وعندما انتهى من هذا كان بالفعل قد كون رأي حول أفضل الأسهم من الناحية المالية وقرر الشراء فيه.

هنا راهن دارڤاس على صحة توقعاته لأول مرة في حياته. ولكن للأسف لم تأت الرياح بما كان يتمنى، وهبط السهم الذي اشتراه عن اقتناع بأنه قوي ماليًا. ولكن في نفس الوقت لاحظ أن هناك آخر يرتفع بدون أي ضجيج، فقرر تبديل الأسهم والدخول في السهم الذي يرتفع فنيًا، فعوّض جزء كبير من خسارته، وأدرك الحقيقة. وهي أن الأسهم ترتفع لأنها ببساطة تريد ذلك. وفهم أهمية التحليل الفني لحركة الأسعار وتوصل لقواعده الذهبية في التداول.

في ذلك الوقت، طُلب من الفريق الراقص الذي يعمل به أن يقوم بجولة استعراضية حول العالم، وهو ما يعني أنه كان سيبتعد عن أمريكا لشهور طويلة. فقام دارڤاس بالتنسيق مع سمسار الأوراق المالية وابتكر نظام خاص لكتابه التلغرافات لتنفيذ أوامر البيع والشراء التي يريدها في نيويورك أينما كان حول العالم. وخلال جولته الاستعراضية استمر في التداول، وطبق أسلوبه الفني الجديد، فكانت النتيجة هي تحقيق ثروة طائلة.

بعد أن عاد من جولته الاستعراضية إلى نيويورك من جديد، بدأ دارڤاس في التردد داخل مكاتب السمسرة، ولكنه للأسف فقد تلك الحاسة التي كانت تساعده على انتقاء الأسهم الرابحة. وهنا وبعد مجهود كبير، فهم دارڤاس أن السبب الرئيسي في نجاحه الساحق عندما كان في جولته الاستعراضية حول العالم هو “العزلة التامة عن وول ستريت”. فقام ببناء نظام يومي صارم يستطيع من خلاله تنفيذ أوامر السوق التي يريدها دون التواصل المباشر مع أي شخص يعمل في شارع المال. وكانت النتيجة هي ثروة تخطت حاجز اثني مليون دولار.

كان نجاح دارڤاس مبهر للجميع رغم أنه كان يعمل في سرية تامة. وقد أدى هذا إلى أن تواصل معه بعض الصحفيين، الذين قاموا بنشر مقال عنه. وقد رأي هذا المقال صاحب أحد دور النشر، والذي بدوره عرض على دارڤاس تحويل قصة نجاحه إلى كتاب. وقد وافق دارڤاس على ذلك، وحقق الكتاب نجاح ساحق يضاف لنجاحه في ساحة وول ستريت.

المزيد من الحكايات والقصص

إن ساحة وول ستريت تمتلئ بالحكايات وقصص النجاح التي لم تنل الاهتمام إعلامي المطلوب. هناك مثلا قصة د. ألكسندر الدر Alexander Elder. وهو عالم نفس روسي هرب من الاتحاد السوفيتي متخفيا داخل مركب لنقل البضائع حتى وصل إلى جنوب افريقيا، ومن هناك توجه إلى أمريكا، ثم تعرف على أسواق المال وبدأ رحلته في التداول وتعليم التداول حتى يومنا هذا. والطريف في قصة د. ألكسندر الدر، أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان يعود إلى بلدته التي هرب منها من أجل تعليم الناس هناك عن التداول في أسواق المال حتى يحققوا الحرية المالية كما فعل هو.

هناك ايضًا حكاية الطفلة “ميشيل وليامز” ابنه خبير أسواق المال الأسطوري “لاري وليامز” والذي بعد أن فاز بجائزة أفضل مُضارب في العالم قرر تعليم ابنته الصغيرة التداول. وعندما وصلت ميشيل للسن القانونية اشتركت في نفس المسابقة التي فاز بها والدها وفازت هي الأخرى لتثبت للعالم “إن ابن الوز عوّام”.

والخلاصة هي أن أسواق المال تعج بالقصص والحكايات عن اشخاص استطاعوا بمجهودهم الشخصي أن يحققوا النجاح والحرية المالية. وهذا دون التلاعب والتحايل بأساليب غير شرعية وغير أخلاقية. ولكن رغم ذلك فإن ماكينة الاعلام العالمية لديها إصرار عجيب على تسليط الضوء على النماذج السيئة للنجاح في وول ستريت.

إن هوليود لديها رغبة دفينة في ابراز قصص الخداع والتزييف، مثل قصة “برنارد مادوف” Bernard Madoff صاحب أكبر عملية احتيال في تاريخ وول ستريت، أو “جوردان بيلفورت” Jordan Belfort الذي لقبته هوليود بذئب وول ستريت وصنعت له فيلم تاريخي اخرجة أفضل المخرجين في العالم ومثّله باقة من ألمع الممثلين على شاشة السينما في هوليود، وذلك على الرغم من اعتراف بيلفورت بكونه محتال كان يتلاعب بالأسهم من خلال شركة الوساطة التي كان يديرها قبل أن يتم القبض عليه ومحاكمته.

هل هوليود تكره وول ستريت؟

إن العلاقة بين وول ستريت وهوليوود ليست علاقة “كراهية” بقدر ما هي علاقة “حب وكراهية معقدة”. إن هوليوود تعشق وول ستريت كمصدر للمادة الدرامية والتمويل، ولكنها في نفس الوقت تظهر وول ستريت “كمنظومة أخلاقية فاسدة” أمام الجمهور. والسبب الرئيسي في ذلك يعود ببساطة إلى شباك التذاكر.

فيديو من قناة مدونة البرماوي يوضح تاريخ العلاقة بين وول ستريت وهوليود

إن اهم ما يشغل فكر المنتجين في هوليود هو “إيرادات شباك التذاكر”. وكل ما يبيع هو جيد بالنسبة لهم، وذلك بصرف النظر عن تأثيره المباشر على المجتمع. ففي النهاية هوليود هي مشروع استثماري ضخم، يهدف لتحقيق الربح لمن يستثمر فيه.

والطريف هنا هو أن كلا من وول ستريت وهوليوود يلتقيان عند هدف واحد، وهو “جمع المال”. ولكن الفرق بين الاثنين هو أن الجشع وهوس المال في وول ستريت يكون ظاهر ويعمل بصورة مباشرة. وهو ما يجعل منه مادة درامية تلهب عاطفة رجل الشارع البسيط، الذي يتجه لشباك التذاكر من أجل افراغ شحنة الغضب التي يحملها تجاه الأثرياء وأصحاب الثروات الطائلة. وهنا تحقق هوليود هدفها المادي من دون أن تزعج الرأي العام.

كتابة السيناريو والخصم المثالي

كذلك فعندما يقوم المؤلف أو كاتب السيناريو باقتراح قصة لفيلم عن وول ستريت فهو يحتاج إلى شخص يلعب دور “الشرير” حتى يكون بمثابة “خِصم مثالي”. وول ستريت بملياراتها وتأثيرها العالمي تمثل هذا الخصم المثالي. فهي “قوة غير مرئية” يمكنها تدمير بلدان أو إفلاس المجتمع بضغطة زر – كما رأينا في الأفلام التي تناولت أزمة الرهن العقاري، مثل فيلم The Big Short. وهذا يخلق صراعاً درامياً قوياً يسهل للجمهور التعاطف معه.

ومما لا شك فيه، أن مؤلف قصة الفيلم أو كاتب السيناريو يعلم بداخله أن الجمهور ينجذب لفكرة الطموح غير المنضبط، الذي يؤدي في النهاية لدمار البطل الشرير – كما حدث مع جوردان بيلفورت في فيلم ذئب وول ستريت. أو لفكرة الجشع اللانهائي كما مثلها مايكل دوجلاس في فيلم وول ستريت بجزئية الأول والثاني. لذلك فإن المؤلف يحاول إرضاء جمهوره الذي يريد أن يرى كواليس هذا العالم الغامض بالنسبة له.

هل السينما مسؤولة عن الصورة السيئة التي يعتقدها رجل الشارع العادي حول التداول في أسواق المال؟

من وجهة نظري الشخصية، الإجابة هي: نعم، السينما مسؤولة إلى حد كبير، ولكنها ليست المتهم الوحيد. فالسينما قامت بصناعة “تأطير ذهني” لعملية التداول. وجعلت رجل الشارع يرى البورصة كـ “صالة قمار فاخرة” بدلاً من كونها “أداة لبناء الثروة والنمو الاقتصادي”، وهذا خطأ كبير.

تُظهر السينما المتداول المحترف دائماً وكأنه شرير يصرخ في الهاتف طوال الوقت، يتعرق بغزارة، ويجلس أمام كومة من الشاشات عليها رسومات بيانية معقدة، مع دخان كثيف يتصاعد من سيجاره الفاخر الذي لا يتوقف عن تدخينه أبدًا.

إن هذا المشهد المتكرر في أفلام هوليود عن أسواق المال يرسخ فكرة أن التداول هو “عملية عشوائية تعتمد على السرعة والحظ”، بينما في الواقع الحديث، أغلب التداول يتم بهدوء أمام الشاشات عبر تحليل بيانات دقيق وخوارزميات معقدة.

ببساطة إن هذه الصورة غير واقعية. فأسواق المال ليست ضربة حظ كما يعتقد جمهور اليوم. والحقيقة أن النجاح في الأسواق هو عبارة عن عملية طويلة المدى تنتج من العائد المركب للتعليم المستمر والخبرة عبر سنوات طويلة من الصبر واليقظة للفرص المتاحة في الأسواق.

هوليود وتصحيح المسار

إنني اعتقد بأن الماكينة الإعلامية بصورة عامة، وهوليود بصورة خاصة في حاجة ماسة لإصلاح المسار الخاص بنظرتها إلى وول ستريت. إن شارع المال مثله مثل أي طريق آخر قد يسير به الأشرار أو الأخيار. وتسليط الضوء على فئة معينة دون الأخرى يعتبر من قبل التحيز. وهذا غير جيد لشباك التذاكر طوال الوقت، كما هو معتقد.

فكما أن هناك جمهور يريد سماع قصص عن النماذج السيئة في المجتمع، فإن هناك جمهور يريد رؤية الجانب الإيجابي لأسواق المال. فالسينما لا تبيع للجمهور الدراما فقط، ولكنها تبيع المعرفة أيضًا. لذلك يجب على السينما أن تلعب دور في زيادة الوعي لدى الجمهور بأهمية أسواق المال كطريق نجح من خلاله البعض في تحقيق ثروات استثنائية، كما فعل “وارن بافت” Warren Buffet وصديقه “شارلي مينجر” Charlie Munger.

إن أسواق المال تلعب دور كبير في المجتمع. كذلك فإن المتداولين داخل أسواق المال يقومون بتوفير السيولة اللازمة لتحقيق الهدف الرئيسي من هذه الأسواق، وهو “تسعير السلع والخدمات”. فإذا لم يكون هناك متداولين فإن مهمة التسعير ستصبح أصعب مما قد يتخيل أي شخص، وهو ما سيخلق فوضى الأسواق بسبب الافتقار لآلية التسعير السريع. لذلك يجب على هوليود أن تعير بعض الاهتمام بالدور الإيجابي الذي يلعبه المتداولون في المجتمع، وذلك من خلال ابراز النماذج الجيدة منهم على شاشات السينما والتلفاز.

أقرأ أيضا

Scroll to Top